وان بيان أن لتدخل الشيطان في تمنيات الأنبياء ، مثل هذين الاثرين المختلفين ( أي يحمل فريقا على المخالفة وفريقا آخر على الثبات والصمود ) يفيد أن المراد بالتدخل هنا هو المعنى الثاني ، يعني ان التدخل يحصل عن طريق تحريك الناس ضدّهم ، وإلقاء الوساوس في قلوب أعدائهم ، وخلق الموانع والعراقيل في طريقهم لا أنهم يتصرفون في نفوس الأنبياء وقلوبهم ويضعفون ارادتهم وعزمهم .
إلى هنا اتضح معنى تدخّل الشيطان في تمنيات الأنبياء والرسل .
والآن حان الحين لتوضيح المطلب الآخر يعني محو آثار هذا التدخل .
( 1 )
3 - ما هو المقصود من محو آثار التدخل ؟
إذا كان معنى تدخّل الشيطان هو تحريك الناس وتأليبهم ضد الأنبياء ليمنعوا الأنبياء والرسل من التقدم في أهدافهم ، فان محو آثار التدخّل الشيطاني من قبل اللّه - حينئذ - يكون بمعنى ان اللّه يدفع عن أنبيائه ورسله كيد الشيطان ليتضح الحق للمؤمنين ، ويكون اختبارا لمرضى القلوب كما يقول تعالى في آية أخرى :
« إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا »
« 1 » .
وخلاصة القول : أن القرآن يخبر - في هذه الآيات - عن سنة للّه قديمة في مجال الأنبياء وهي :
إن تمنّي التقدم في الأهداف وتمنّي التوفيق في هداية الناس هو فعل الأنبياء دائما .
ثم يأتي الدور لتدخّل الشيطان وأتباعه من شياطين الإنس والجنّ ، وذلك بايجاد الموانع والعقبات في طريق الأنبياء والرسل .
ثم يأتي من بعد ذلك حلول المدد الإلهي الغيبيّ بمحو وفسخ كلّ التدابير الشيطانية المضادّة لأهداف الأنبياء المعرقلة لتحقيق أمانيّهم .
وهذه هي إحدى السنن الإلهية الثابتة التي جرت في جميع الأمم السالفة .
هامش
( 1 ) غافر : 51 .