ولكن أبا ذر الشاب الشجاع ، والطافح بالحيوية والحماس عاد اليوم الثاني فصنع مثل ما صنعه في اليوم الأول فضربوه حتى صرع ، فأكب عليه العباس ، وقال لهم مثل ما قال في أول مرة فأمسكوا عنه .
( 1 ) ولا شك في أنه لو لم يكن العباس لما نجى أبو ذر من مخالف المشركين في أغلب الظن ، ولكن أبا ذر لم يكن بذلك الرجل الذي يتراجع عن هدفه بسرعة ، ولهذا بدأ جهاده من جديد .
ففي يوم رأى امرأة تطوف بالبيت ، وتدعو ساف ونائلة ( وهما صنمان لقريش ) وتسألهما ان يقضيا لها حاجاتها ، فانزعج أبو ذر من جهل تلك المرأة ، ولكي يفهمها بأنها تدعو صنمين لا يضران ولا ينفعان بل ولا يشعران قال : أنكحى أحدهما الآخر . فغضبت المرأة لقول أبي ذر في الصنمين ، وتعلقت به وقالت : أنت صابئ ، فجاء فتية من قريش فضربوه ، وجاء ناس من بنى بكر فانقذوه منهم « 1 » .
( 2 )
قبيلة غفار تعتنق الإسلام :
لقد أدرك رسول الإسلام صلّى اللّه عليه وآله قابليات تلميذه وناصره الجديد ، وصلابته الخارقة في مكافحة الباطل ، ولكن حيث إن الوقت لم يكن يحن بعد للدخول في مواجهة ساخنة مع المشركين لهذا أمره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بان يلحق بقومه ، ويدعوهم إلى الإسلام ، قائلا له : « الحق بقومك فإذا بلغك ظهوري فأتني » .
فعاد أبو ذر إلى قومه ، وأخذ يدعوهم إلى الإسلام ويكلمهم عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، ويدعوهم إلى نبذ الأصنام وعبادة اللّه الواحد ، والتخلق بالأخلاق الرغيبة .
( 3 ) فاسلم أبواه ، أولا ، ثم اسلم نصف رجال قبيلته « غفار » ثم اختار البقية الإسلام بعد هجرة النبي إلى المدينة ، ثم تبعتها قبيلة « أسلم » حيث وقدوا على
هامش
( 1 ) الطبقات الكبرى : ج 4 ص 223 .