الباطل وأهله ، ويكافح الانحراف والاعوجاج أيّا كان مصدره ، وصاحبه . وأيّ باطل أكبر من أن يطأطئ الناس أمام أصنام مصنوعة من الحجر ، ويخضعوا أمام أوثان منحوتة من الخشب لا تضرّ ولا تنفع ، ولا تعطي ولا تمنع ، ويسجدوا لها ويتخذوها آلهة دون اللّه الخالق الكبير المتعال ؟ ؟
إنّه ليس في وسع « أبي ذر » أن يتحمّل هذا المشهد البغيض المقرف ! !
( 1 ) من هنا قال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بعد أن مكث في مكة قليلا وقرأ شيئا من القرآن : يا نبيّ اللّه ما تأمرني ؟
قال : ترجع إلى قومك حتى يبلغك أمري .
فقال له : والذي نفسي بيده لا أرجع حتى أصرخ بالإسلام في المسجد .
قال : اني أخاف عليك أن تقتل .
قال : لا بد منه وإن قتلت .
ثم دخل المسجد فنادى بأعلى صوته : أشهد أن لا إله إلّا اللّه ، وأنّ محمّدا عبده ورسوله « 1 » .
( 2 ) إن التاريخ الإسلامي يشهد بأن هذا النداء كان أول نداء تحدّى جبروت قريش وشركها ، وقد أطلقته حنجرة رجل غريب لا حامي له في مكة ولا نصير ، ولا قوم ولا قريب .
وقد وقع ما توقّعه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فما أن دوى صوت أبي ذر في المسجد حتى قام إليه رجال قريش ، وهجموا عليه من كل جانب وضربوه بشدة حتى صرع فأتاه العباس بن عبد المطلب فأكبّ عليه في محاولة لانقاذه من الموت - بطريقة لطيفة - وقال : قتلتم الرجل يا معشر قريش ! أنتم تجار وطريقكم على غفار ، فتريدون ان يقطع الطريق ، فأمسكوا عنه .
ونجحت محاولة « العباس » الانقاذية ، وكفّت قريش عن أبي ذر .
هامش
( 1 ) حلية الأولياء : ج 1 ص 158 و 159 ، الطبقات الكبرى : ج 4 ص 225 ، الاستيعاب : ج 4 ص 63 ، الإصابة : ج 4 ص 64 ، الدّرجات الرفيعة : ص 228 .