فغريزة العمل والسعي تتخذ شيئا فشيئا صفة الحرص والطمع ، وغريزة حب السعادة والبقاء تتخذ صورة الأنانية ، وحب الجاه والمنصب ، ويتجلى نور التوحيد والإيمان في لباس الوثنية وعبادة الأصنام .
( 1 ) في هذه الحالة يعمل سفراء اللّه إلى البشرية : ( الأنبياء والرسل ) على توفير ظروف الرشد والنمو الصحيح لتلك الغرائز وتلك القوى والطاقات في ضوء الوحي ، والبرامج الصحيحة المستلهمة من ذلك المنبع الإلهي الهادي ، ويقومون بالتالي بتعديل انحرافات الغرائز ، والوقوف دون تجاوزها حدودها المعقولة المطلوبة .
ولقد قال أمير المؤمنين في ما مرّ من كلامه : إن اللّه أخذ - في مبدأ الخلق - ميثاقا يدعى « ميثاق الفطرة » .
فما هو ترى المقصود من ميثاق الفطرة هذا ؟
إن المقصود من هذا الميثاق هو : أن اللّه تعالى بخلقه وايداعه الغرائز المفيدة في الكيان الإنساني ، وبمزج الفطرة البشرية بعشرات الأخلاق الطيبة والسجايا الصالحة يكون قد أخذ من الإنسان ميثاقا فطريا بأن يتبع خصال الخير ، ويأخذ بالغرائز الطيّبة الصالحة .
فإذا كان منح جهاز البصر ( العين ) للإنسان هو نوع من اخذ الميثاق من الإنسان بان يتجنب المزالق ، ولا يقع في البئر ، فكذلك ايداع حسّ التدين ، وغريزة الانجذاب إلى اللّه ، وحبّ العدل ، في كيانه هو الآخر نوع من اخذ الميثاق منه بأن يظل مؤمنا باللّه ، موحّدا إياه ، عادلا ، منصفا ، محبا للخير والحق .
وإن وظيفة الأنبياء هي أن يحملوا الناس على العمل بمقتضى ميثاق الفطرة ، وبالتالي فانّ مهمّتهم الأساسية الحقيقة هو تمزيق أغشية الجهل وتبديد سحب الغافلة التي قد ترين على جوهرة الفطرة المطعمة بنور الايمان ، فتمنعها من الاشراق على وجود الإنسان ، وتحرم الإنسان من هدايتها .
ومن هنا قالوا : إن أساس الشرائع الإلهية يتألف من الأمور الفطرية ، التي فطر الإنسان عليها .
سيد المرسلين — صفحة 318
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٣١٨