حوادثه في ذلك المكان التاريخي ، العجيب .
( 1 ) ويتحدث ذلك الغار هو الآخر إليهم بلسان الحال ويقول : هاهنا المكان الذي كان يتعبد فيه عزيز قريش وفتاها الصادق الأمين .
وهاهنا قضى ليالي وأياما عديدة وطويلة قبل ان يبلغ مرتبة الرسالة ، في عبادة اللّه ، والتأمل في الكون ، وفي آثار قدرة اللّه وعظمته .
أجل ، لقد اختار محمّد صلّى اللّه عليه وآله ذلك المكان البعيد عن صحيح الحياة ، للعبادة والتحنث ، فكان يمضي جميع الأيام من شهر رمضان فيه ، وربما لجأ إليه في غير هذا الشهر أحيانا أخرى ، إلى درجة أنّ زوجته الوفيّة كانت إذا لم يرجع إلى منزلها ، تعرف أنه قد ذهب إلى « غار حراء » وأنه هناك مشتغل بالعبادة والتحنث والاعتكاف . وكانت كلّما أرسلت إليه أحدا وجده في ذلك المكان مستغرقا في التأمل والتفكير ، أو مشتغلا بالعبادة والتحنث .
( 2 ) لقد كان صلّى اللّه عليه وآله قبل أن يبلغ مقام النبوة ، ويبعث بالرسالة يفكر - أكثر شيء - في أمرين :
1 - كان يفكر في ملكوت السماوات والأرض ، ويرى في ملامح كل واحد من الكائنات التي يشاهدها نور الخالق العظيم ، وقدرته ، وعظمته وعلمه ، وقد كانت تفتح عليه من هذا السبيل نوافذ من الغيب تحمل إلى قلبه وعقله النور الالهيّ المقدس .
2 - كان يفكر في المسؤولية الثقيلة التي ستوضع على كاهله .
إن اصلاح المجتمع في ذلك اليوم على ما كان عليه من فساد عريق وانحطاط عريض ، لم يكن في نظره وتقديره بالأمر المحال الممتنع . ولكن تطبيق مثل هذا البرنامج الاصلاحيّ لم يكن في نفس الوقت أمرا خاليا من العناء والمشاكل ، من هنا كان يفكر طويلا في الفساد في حياة المجتمع المكّي وما يراه من ترف قريش ، وكيفيّة رفع كل ذلك واصلاحه .
لقد كان صلّى اللّه عليه وآله حزينا لما يرى من قومه من فساد العقيدة المتمثل في الخضوع للأوثان الميتة ، والعبادة للأصنام الخاوية الباطلة ، ولطالما
سيد المرسلين — صفحة 320
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٣٢٠