واما الثاني فقوله سبحانه :
« آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ »
« 1 » فقوله : « آمن الرسول بما انزل إليه » صريح في أنّ متعلّق الإيمان الحاصل بعد الوحي ، هو الإيمان « بما انزل إليه » أعني تفاصيل الكتاب في المجالات المختلفة ، لا الإيمان باللّه وتوحيده وعندئذ يرتفع الابهام في الآية التي تمسكت بها المخطئة ومن ينسبون عدم الإيمان باللّه وتوحيده إلى النبي قبل البعثة ، ويتبيّن أن متعلق الإيمان المنفيّ في قوله :
« ولا الإيمان » هو « ما انزل » . لا الايمان بالمبدأ وتوحيده .
والحاصل إن هنا شيئا واحدا هو : « الايمان بما انزل من المعارف والاحكام والانباء » فقد نفي عنه في الآية المبحوث عنها لكونها ناظرة إلى فترة ما قبل البعثة ، وأثبت له في الآية الأخرى لكونها ناظرة إلى ما بعد البعثة .
قال الطبرسي : « ما كنت تدري ما الكتاب » ما القرآن ولا الشرائع ومعالم الايمان « 2 » .
وقال الفخر الرازي : المراد من الايمان هو الاقرار بجميع ما كلّف اللّه تعالى به ، وانه قبل النبوة ما كان عارفا بجميع تكاليف اللّه تعالى بل إنه كان عارفا باللّه . . . ثم قال : صفات اللّه تعالى على قسمين : منها ما تمكن معرفته بمحض دلائل العقل ، ومنها ما لا تمكن معرفته الا بالدلائل السمعية ، فهذا القسم الثاني لم تكن معرفته حاصلة قبل النبوة « 3 » .
وقال العلامة الطباطبائي في الميزان : ان الآية مسوقة لبيان ان ما عنده صلّى اللّه عليه وآله الذي يدعو إليه انما هو من عند اللّه سبحانه لا من قبل نفسه ، وإنما أوتي ما أوتي من ذلك بالوحي بعد النبوة ، فالمراد بعدم درايته بالكتاب هو عدم علمه بما فيه من تفاصيل المعارف الاعتقادية والشرائع العملية ، فان ذلك هو الذي أوتي العلم به بعد النبوة والوحي ، والمراد من عدم درايته الإيمان عدم تلبسه
هامش
( 1 ) البقرة : 285 .
( 2 ) مجمع البيان : ج 3 ص 88 و 89 .
( 3 ) مفاتيح الغيب : ج 7 ص 410 .