يكون شيئا قابلا للوحي حتى يكون موحى ، وروح القدس ليس موحى بل هو الموحي ( بالكسر ) فكيف يمكن أن يكون مفعولا ل : « أوحينا » ، ولأجله يجب تأويل الروايات إن صحّت اسنادها .
الثاني : إن هيئة « ما كنت » أو « ما كان » تستعمل في نفي الإمكان والشأن قال سبحانه :
« وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ »
« 1 » وقال عزّ اسمه :
« وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً »
« 2 » .
وعلى ضوء هذا الأصل يكون مفاد قوله « ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان » أنه لولا الوحي ما كان من شأنك أن تدرى الكتاب ولا الإيمان ، فان وقفت عليهما فانّما هو بفضل الوحي وكرامته .
الثالث : أن ظاهر الآية هو أن النبي الأكرم صلّى اللّه عليه وآله كان فاقدا للعلم بالكتاب ، والدراية بالكتاب ، وانما حصلت الدراية بهما في ظل الوحي وفضله فيجب . إمعان النظر في الدراية التي كان النبي فاقدا لها قبل الوحي وصار واجدا لها بعده ، فما تلك الدراية وذاك العلم ؟
فهل المراد هو العلم بنزول الكتاب إليه اجمالا والايمان بوجوده وتوحيده سبحانه ، أو المراد العلم بتفاصيل ما في الكتاب ، والاذعان بها كذلك ؟
لا شك انه لا سبيل إلى الأول لأنّ علمه - اجمالا - بأنه ينزل إليه الكتاب ، أو ايمانه بوجود اللّه سبحانه كانا حاصلين قبل نزول الوحي إليه ، ولم يكن العلم بهما ممّا يتوقف على الوحي ، فان الأحبار والرهبان كانوا واقفين على نبوّته ورسالته ونزول الكتاب إليه في المستقبل إجمالا ، وقد سمع منهم النبيّ صلّى اللّه عليه وآله في فترات مختلفة : أنه النبيّ الموعود في الكتب السماوية ، وانه خاتم الرسالات والشرائع ، فهل يصح أن يقال أن علمه صلّى اللّه عليه وآله بنزول كتاب عليه إجمالا كان بعد بعثته وبعد نزول الوحي ، أو انه كان متقدما عليه وعلى بعثته ، ومثله الإيمان باللّه سبحانه ، وتوحيده ، إذ لم يكن الإيمان باللّه امرا
هامش
( 1 ) آل عمران : 145 .
( 2 ) التوبة : 122 .