إنه وان كان الفرق بين « مريم » و « حليمة » شاسعا وكبيرا من حيث الملكات الفاضلة والمكانة ، والمنزلة ، إلّا أن منزلة « مريم » عليها السّلام لو استوجبت مثل هذا اللطف الإلهي ، ففي المقام استوجب نفس مقام الوليد العظيم ، ومكانته عند اللّه تعالى أن تشمله العناية الإلهية .
كما أنه قد جاء في القرآن الكريم حول مريم عليها السّلام أمور أخرى مشابهة .
ان عصمة هذه المرأة الطاهرة ، وتقاها وطهرها البالغ كانت بحيث أن « زكريا » كلّما دخل عليها المحراب وجد عندها رزقا ، فإذا سألها : من أين لك هذا قالت : هو من عند اللّه ؟ « 1 » .
وعلى هذا الأساس يجب أن لا نتردّد ولا نسمح لأنفسنا بأن نشك في مثل هذه الكرامات ، أو نستبعدها .
( 1 )
خمسة أعوام في الصحراء :
أمضى وليد « عبد المطلب » في قبيلة « بني سعد » مدة خمسة أعوام ، بلغ فيها أشده .
وخلال هذه المدة اخذته « حليمة » إلى امّه مرتين أو ثلاث ، وقد سلّمته إلى أمه في آخر مرة .
وكانت المرّة الأولى من تلك المرات عند فطامه ، ولهذا السبب أتت به صلّى اللّه عليه وآله « حليمة » إلى مكة ولكنها عادت به إلى الصحراء باصرار منها ، وكان السبب وراء هذا الاصرار على اصطحابها معها إلى البادية هو أن هذا الوليد قد أصبح مبعث خير ورخاء ، وبركة في منطقتها ، وقد دفع شيوع مرض الوباء في « مكة » إلى أن تقبل امّه الكريمة بهذا الطلب « 2 » .
( 2 ) وأما المرة الثانية من تلك المرات فكانت عندما قدم جماعة من نصارى
هامش
( 1 )« . . . وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا ، الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ». ( آل عمران : 37 ) .
( 2 ) بحار الأنوار : ج 15 ص 401 .