بقطعة من الجص صورة على المنضدة ، فأدرك من فوره أن هذا الصبيّ لم يخلق للدرس وتحصيل العلم ، بل خلقته يد القدرة للرسم ، فطلب منه أن يصطحب أباه إلى المدرسة في اليوم القادم ، ثم قال لوالد الصبيّ : إذا كان ولدك هذا كسولا في التعلم ، والتحصيل فإنه يمتلك ذوقا رفيعا في الرسم ، ورغبة كبيرة في التصوير .
وقبل الوالد نصيحة المعلّم هذه ولم يمض زمان طويل إلّا وبرع الصبي وغدى قمة في هذا الفن ، بعد أن تابع هوايته بشغف وأكثر من ممارستها .
( 1 ) إن فترة الطفولة والصبا في حياة الأشخاص خير فرصة لأولياء الأطفال بأن يختبروا مواهب أبنائهم ، ويتعرفوا عليها من خلال تصرفاتهم ، وأفكارهم وردودهم ، لأن حركات الطفل وأقواله الجميلة والحلوة خير مرآة لما ينطوي عليه من مواهب وقابليات وصفات لو توفّرت لها ظروف التربية الصحيحة لأمكن الاستفادة منها على أفضل صورة ، وأحسن وجه .
إن مطالعة فاحصة لحياة النبيّ الأكرم صلّى اللّه عليه وآله وأقواله وأفعاله إلى وقت البعثة المباركة توقفنا على صورة كاملة لشخصيته صلّى اللّه عليه وآله وتوضح لنا أهدافه العليا ، على أن مطالعة صفحات الطفولة في حياته صلّى اللّه عليه وآله فقط لا تكشف لنا عن مستقبله المشرق ، بل إن دراسة الصورة الاجمالية لحياته وتاريخه إلى يوم مبعثه الشريف ، وإعلانه عن نبوّته وقيادته للمجتمع ، تخبرنا عن ذلك المستقبل العظيم ، وبالتالي عن هذه الحقيقة وهي أن هذه الشخصية خلقت لأيّ عمل ، وأن ادّعاء الرسالة والقيادة له هل ينسجم مع سوابقه التاريخية أم لا ؟ ؟
هل تؤيّد تفاصيل حياته خلال أربعين سنة قبل الرسالة ، وهل تؤيّد أفعاله وأقواله ، وبالتالي : سلوكه مع الناس ومعاشرته الطويلة مع الآخرين رسالته أم لا ؟ ؟
( 2 ) من هنا نعمد إلى عرض بعض الصفحات من حياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في أيامها وسنواتها الأولى .
سيد المرسلين — صفحة 226
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٢٢٦