نقرأ في كتاباتهم مرارا وتكرارا زعمهم بان النبوة ما هي إلّا نبوغ بشريّ ، وأن النبيّ مجرد نابغة اجتماعية استطاع تغيير مسار الحياة البشرية بافكاره النيّرة ! !
( 1 ) ولا شك أن مثل هذا التصوّر ينبع من طريقة التفكير المادي الذي يعتبر جميع الأديان من ولائد الفكر البشري وافرازات الذهن الانساني ، في حين ان علماء العقيدة اثبتوا في : مباحث « النبوّة العامة » انّ النبوة عطية إلهية ، وموهبة ربّانية هي في الحقيقة منشأ جميع الالهامات والارتباطات المعنوية ، ومصدر لمناهج الأنبياء وبرامجهم ، ليست أبدا وليدة نبوغهم الإنساني ، ولا نسيجة فكرهم البشري ، وليس لها مصدر إلّا الإلهام من الغيب ، ولكن عندما ينظر المستشرق المسيحي إلى هذه القضايا من زاوية الفكر المادي ويريد تفسير جميع هذه الظواهر بالأسس العلمية التي كشف عنها التجربة ينتقد مثل هذه الحوادث ذات الطابع الاعجازي ، وربما أنكرها من الأساس .
( 2 ) 2 - المؤمنون باللّه : الذين يعتقدون بأن العالم المادي بجميع خصوصياته وخواصه يخضع لتدبير عالم آخر ، وأن ذلك العالم ( اي عالم التجرد وما وراء الطبيعة ) هو المنظم لهذه الطبيعة ، وهو المدبر لهذا الكون المادي .
وبعبارة أخرى إن عالم المادة ليس عالما مسيّبا ، مستقلا عن غيره ، وان جميع الأنظمة والقوانين الطبيعية والعلمية مسبّبة عن تأثيرات موجودات عليا ، وبخاصة ناشئة عن إرادة اللّه الخالق ، الذي اعطى للمادة وجودها ، وأوجد القوانين والعلاقات الصحيحة بين أجزائها ، وبنى بقاءها على سلسلة من النواميس الطبيعية .
إنّ هذا الفريق من الناس مع احترامهم للقوانين العلمية ، واذعانهم الصادق بما قاله العلماء في صعيد العلاقات ، والروابط القائمة بين القوانين ممّا أثبته العلم وأكّده ، يعتقدون بأن مثل هذه القوانين الطبيعية ليست أمورا لا تقبل التغيير ، والتبدل .
فهم يعتقدون بأن العالم الاعلى يمكنه - إذا أراد - أن يغيّر تلك القوانين لغايات خاصة ، وليس في مقدوره ذلك فقط ، بل فعل ذلك في جملة من الموارد
سيد المرسلين — صفحة 220
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٢٢٠