والآن ، وبعد أن حدث ما حدث ، وبعد أن رحلت الصدّيقة المظلومة ، وبعد أن بويع أمير المؤمنين عليه السّلام ، وبعد أن انحسرت عن فدك القيمة السياسية وبقيت القيمة المادّية فقط ، فلا فائدة من ردّها وأخذها .
وكيف تطيب نفس عليّ عليه السّلام أن يتنعّم بشيء منعت منه فاطمة عليها السّلام ، ولاقت بسببه الويلات والمحن والآلام .
والحاصل : أنّ الإمام عليه السّلام أوضح للأمّة أنّهم ليسوا بحاجة إلى المال والمادّة ، وإنّ نزاعهم مع أبي بكر كان لأجل الخلافة الحقّة ، ولئلّا تغيّر السنن والأحكام ، وتظهر البدع والآثام .
وما تصنع الزهراء عليها السّلام بالمال وقد نزل فيها وفي بعلها وولديها قول اللّه عزّ وجلّ :
وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً
« 1 » وقوله تعالى :
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً
« 2 » .
الثاني : ولا يبعد في ظنّي أنّ الإمام عليه السّلام إنّما ترك فدكا لتبقى دليلا واضحا ، وشاهدا صارخا على ظلامة الصدّيقة فاطمة الزهراء ، وما حلّ بها من أولئك المعتدين ؟ !
ولتكون سببا لكشف الكثير من الحقائق والأسرار التي أخفاها الظالمون تحت السياسة الجائرة .
وأخيرا ، لتكون باعثا للأجيال على معرفة حالها ، والبحث عن تاريخها .
[ في عهد الأمويين والعبّاسيين ]
لقد اضطرب أمر ( فدك ) اضطرابا شديدا بعد أمير المؤمنين عليه السّلام ، فربما سلبت
هامش
( 1 ) الإنسان : 8 .
( 2 ) البقرة : 274 .