فقال : لقد هداك اللّه ، ثمّ قال : اللهمّ اهده - ثلاثا - سل عمّا شئت يا بنيّ .
فقلت : إنّ أبي وامّي على النصرانيّة وأهل بيتي ، وامّي مكفوفة البصر ، فأكون معهم ، وآكل في آنيتهم ؟
فقال : يأكلون لحم الخنزير ؟ فقلت : لا ، ولا يمسّونه .
فقال : لا بأس ، فانظر امّك فبرّها ، فإذا ماتت « 1 » ، فلا تكلها إلى غيرك ، كن أنت الّذي تقوم بشأنها ، ولا تخبرنّ أحدا « 2 » أنّك أتيتني ، حتّى تأتيني بمنى إن شاء اللّه .
قال : فأتيته بمنى والناس حوله ، كأنّه معلّم صبيان « 3 » ، هذا يسأله ، وهذا يسأله .
فلمّا قدمت الكوفة ، ألطفت لامّي ، وكنت أطعمها ، وافلّي ثوبها « 4 » ورأسها وأخدمها ، فقالت لي : يا بنيّ ، ما كنت تصنع بي هذا ، وأنت على ديني ؛
فما الّذي أرى منك منذ هاجرت ، فدخلت في الحنيفيّة « 5 » ؟
فقلت : رجل من ولد نبيّنا ، أمرني بهذا . فقالت : هذا الرجل هو نبيّ ؟
فقلت : لا ، ولكنّه ابن نبيّ . فقالت : يا بنيّ [ إنّ هذا نبيّ ، إنّ هذه وصايا الأنبياء .
فقلت : يا امّه ، إنّه ليس يكون بعد نبيّنا نبيّ ، ولكنّه ابنه .
فقالت : يا بنيّ ] دينك خير دين أعرضه عليّ . فعرضته عليها ، فدخلت في الإسلام
هامش
( 1 ) ظاهره أنّ هذا لعلمه عليه السّلام بأنّها تسلم عند الموت ( قاله المجلسي ره ) .
( 2 ) قيل : لعلّه إنّما نهاه عن إخباره بإتيانه إليه كيلا يصرفه بعض رؤساء الضلالة عنه ، ويدخله في ضلالته قبل أن يهتدي للحقّ . وأقول : يحتمل أن يكون للتقيّة لا سيّما وقد اشتمل الخبر على الإعجاز أيضا ، وكأنّه لذلك طوى حديث اهتدائه في إتيانه الثاني أو الأولى ؛
ويحتمل أن يكون ترك ذلك لظهوره من سياق القصّة . ( قاله المجلسي ره ) .
( 3 ) كأنّ التشبيه في كثرة اجتماعهم وسؤالهم ، ولطفه عليه السّلام في جوابهم ، وكونهم عنده بمنزلة الصبيان في احتياجهم إلى المعلّم ، وإن كانوا من الفضلاء ، وقبولهم ما سمعوا منه من غير اعتراض ( قاله المجلسي ره ) .
( 4 ) « افلّي ثوبها : أي انظر فيه لاستخراج قملها » . منه ( ره ) .
( 5 ) الحنيفيّة ملّة الإسلام لميله عن الإفراط والتفريط إلى الوسط ، أو الملّة الإبراهيميّة لأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كان ينتسب إليها ( قاله المجلسي ره ) .