وأمّا النسوة اللاتي ذكرتهنّ فعليهنّ السلام ، فقد آمن اللّه روعهنّ وجلا همّهنّ .
قال : فرجعت إليه ، فأخبرته بما قال المنصور ؛
فقال : قل له : وصلت رحما ، وجزيت خيرا .
ثمّ اغرورقت عيناه حتّى قطر من الدمع في حجره قطرات ، ثمّ قال :
يا ربيع ! إنّ هذه الدنيا وإن أمتعت ببهجتها ، وغرّت بزبرجها « 1 » فإنّ آخرها لا بدّ وأن يكون كآخر الربيع الّذي يروق « 2 » بخضرته ، ثمّ يهيج « 3 » عند انتهاء مدّته ؛
وعلى من نصح لنفسه وعرف حقّ ما عليه وله ، أن لا ينظر إليها نظر من غفل « 4 » عن ربّه جلّ وعلا ، وحذر سوء منقلبه ، فإنّ هذه الدنيا قد خدعت قوما فارقوها ، أسرع ما كانوا إليها ، وأكثر ما كانوا اغتباطا بها ، طرقتهم آجالهم بياتا وهم نائمون ، أو ضحى وهم يلعبون ؛
فكيف اخرجوا عنها ، وإلى ما صاروا بعدها ، أعقبتهم الألم ، وأورثتهم الندم ، وجرّعتهم مرّ المذاق ، وغصّصتهم بكأس الفراق ، فيا ويح من رضي عنها ، أو أقرّ عينا [ بها ] ، أما رأى مصرع آبائه ، ومن سلف من أعدائه وأوليائه ! ؟
يا ربيع ! أطول بها حسرة ، وأقبح بها كثرة ، وأخسر بها صفقة ، وأكبر بها ترحة « 5 » ، إذا عاين المغرور بها أجله ، وقطع « 6 » بالأمانيّ أمله ، وليعمل على أنّه أعطي أطول الأعمار وأمدّها ، وبلغ فيها جميع الآمال ، هل قصارة إلّا الهرم ؟ أو غايته إلّا الوخم « 7 » ؟
نسأل اللّه لنا ولك عملا صالحا بطاعته ، ومآبا إلى رحمته ، ونزوعا عن معصيته ، وبصيرة في حقّه ، فإنّما ذلك له ، وبه .
فقلت : يا أبا عبد اللّه ! أسألك بكلّ حقّ بينك وبين اللّه جلّ وعلا إلّا ما عرّفتني ما ابتهلت به إلى ربّك تعالى ، وجعلته حاجزا بينك وبين حذرك وخوفك ، لعلّ اللّه يجبر بدوائك كسيرا ،
هامش
( 1 ) « الزبرج - بالكسر - : الزينة » .
( 2 ) « راقه : أعجبه » .
( 3 ) « هاج النبت : يبس » منه ره .
( 4 ) « أن ينظر إليها نظر من عقل » ع ، ب .
( 5 ) « الترح - محرّكة - : الهمّ » .
( 6 ) « ينبغي أن يقرأ على بناء المجهول ، أي قطع أمله مع الأماني الّتي كان يأمل حصولها » .
( 7 ) « طعام وخم : أي غير موافق » منه ره . وفي م « الرجم » ، الرجم - بالتحريك - : وهو القبر .