قال الربيع : فصرت إلى بابه ، فوجدته في دار خلوته ، فدخلت عليه من غير استيذان ؛
فوجدته معفّرا خدّيه ، مبتهلا بظهر يديه ، قد أثّر التراب في وجهه وخدّيه ؛
فأكبرت أن أقول شيئا حتّى فرغ من صلاته ودعائه ، ثمّ انصرف بوجهه ؛
فقلت : السلام عليك يا أبا عبد اللّه . فقال : وعليك السلام يا أخي ، ما جاء بك ؟
فقلت : ابن عمّك يقرأ عليك السلام ، ويقول [ كذا وكذا ] - حتّى بلغت آخر الكلام - .
فقال : [ ويحك ] يا ربيع !
أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ
« 1 » .
ويحك يا ربيع !
أَ فَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ * أَ وَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ
« 2 » فاقرأ وبلّغ على أمير المؤمنين السلام ورحمة اللّه وبركاته .
ثمّ أقبل على صلاته ، وانصرف إليّ بوجهه .
فقلت : هل بعد السلام من مستعتب عليه ؟ أو إجابة ؟ فقال : نعم ، قل له :
أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى * وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى * أَ عِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى * أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى * وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى * وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى
« 3 » ؛
[ و ] إنّا واللّه يا أمير المؤمنين ! قد خفناك ، وخافت لخوفنا النسوة اللاتي أنت أعلم بهنّ ، ولا بدّ لنا من الإيضاح به .
فإن كففت وإلّا أجرينا اسمك على اللّه عزّ وجلّ في كلّ يوم خمس مرّات .
وأنت حدّثتنا عن أبيك ، عن جدّك : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال : « أربع دعوات لا يحجبنّ عن اللّه تعالى : دعاء الوالد لولده ، والأخ بظهر الغيب لأخيه ، والمظلوم ، والمخلص » .
قال الربيع : فما استتمّ الكلام حتّى أتت رسل المنصور تقفو أثري ، وتعلم خبري ، فرجعت وأخبرته بما كان ، فبكى .
ثمّ قال : ارجع إليه وقل له : الأمر في لقائك إليك والجلوس عنّا ؛
هامش
( 1 ) الحديد : 16 .
( 2 ) الأعراف : 97 - 99 .
( 3 ) النجم : 33 - 40 .