لا جاز الانصراف عن ظاهر قول أبي عبد اللّه عليه السّلام إلى معنى يلائم الصحيح ولا يحمل على وجه يفسد المشاهدات ويسدّ على العقلاء باب الضرورات ، وهذا كاف في هذا الموضع إن شاء اللّه تعالى ، مع أنه لا بقيّة للناووسيّة ، ولم يكن أيضا في الأصل كثرة ، ولا عرف منهم رجل مشهور بالعلم ، ولا قرىء لهم كتاب ، وإنّما هي حكاية إن صحّت فمن عدد يسير لم يبرز قولهم حتى اضمحل وانتقض ، وفي هذا كفاية عن الإطالة في نقضه .
وأمّا ما اعتلّت به الإسماعيليّة من أن إسماعيل - رحمة اللّه عليه - كان الأكبر ، وأن النصّ يجب أن يكون على الأكبر ، فلعمري إن ذلك يجب إذا كان الأكبر باقيا بعد الوالد ، فأما إذا كان المعلوم من حاله أنّه يموت في حياته ولا يبقى بعده ، فليس يجب ما ادّعوه ، بل لا معنى للنصّ عليه ، ولو وقع لكان كذبا ، لأنّ معنى النص أنّ المنصوص عليه خليفة الماضي فيما كان يقوم به ، وإذا لم يبق بعده لم يكن خليفة ، ويكون النصّ حينئذ عليه كذبا لا محالة ، وإذا علم اللّه سبحانه أنّه يموت قبل الأوّل ، وأمره باستخلافه لكان الأمر بذلك عبثا مع كون النص كذبا ، لأنه لا فائدة فيه ولا غرض صحيح ، فبطل ما اعتمدوه في هذا الباب .
وأمّا ما ادّعوه من تسليم الجماعة لهم حصول النص عليه ، فإنهم ادّعوا في ذلك باطلا وتوهّموا فاسدا من قبل أنّه ليس أحد من أصحابنا يعترف بأنّ أبا عبد اللّه عليه السّلام نصّ على ابنه إسماعيل ، ولا روى راو ذلك في شاذ من الأخبار ولا في معروف منها ، وإنّما كان الناس في حياة إسماعيل يظنّون أنّ أبا عبد اللّه عليه السّلام ينصّ عليه لأنّه أكبر أولاده ، وبما كانوا يرونه من تعظيمه ، فلمّا مات إسماعيل - رحمة اللّه عليه - زالت ظنونهم ، وعلموا أن الإمامة في غيره ، فتعلّق هؤلاء المبطلون بذلك الظنّ وجعلوه أصلا ، وادّعوا أنّه قد وقع النصّ ، وليس معهم في ذلك خبر ولا أثر يعرفه أحد من نقلة الشيعة ، وإذا كان معتمدهم على الدعوى المجرّدة من برهان فقد سقط بما ذكرناه .
فأمّا الرواية عن أبي عبد اللّه عليه السّلام من قوله « ما بدا للّه في شيء كما بدا له في إسماعيل » فإنها على غير ما توهموه أيضا عن البداء في الإمامة ، وإنما معناها ما روي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّه قال : « إنّ اللّه عزّ وجلّ كتب القتل على ابني إسماعيل مرتين ، فسألته فيه ، ( فعفا عن ذلك ) « 1 » ، فما بدا له في شيء كما بدا له في إسماعيل » يعني به ما ذكره
هامش
( 1 ) - ع وب : فرقا .