بصحّتها ، ولو كان صحيحا أيضا لما كان في تضمنه دليل الإمامة ، لأن مسح أبي عبد اللّه عليه السّلام التراب عن وجه ابنه ليس بنص عليه في عقل ولا سمع ولا عرف ولا عادة ، وكذلك ضمّه إلى صدره ، وكذلك قوله « إن أبي أخبرني أن سيولد لي ولد يشبهه » وأنه أمره بتسميته باسمه ، وأنه أخبره أنه يكون على سنّة « 1 » رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله . ولا في مجموع هذا كلّه دلالة على الإمامة في ظاهر قول وفعل ، ولا في تأويله .
وإذا لم يكن في ذلك دلالة على ما ذهبوا إليه بان بطلانه مع أن محمدا بن جعفر خرج بالسيف بعد أبيه ودعا إلى إمامته وتسمّى بإمرة المؤمنين ، ولم يتسمّ بذلك أحد ممن خرج من آل أبي طالب ، ولا خلاف بين أهل الإمامة أن من تسمّى بهذا الاسم بعد أمير المؤمنين عليه السّلام فقد أتى منكرا ، فكيف يكون هذا على سنّة « 2 » رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، لولا أن الراوي لهذا الحديث قد وهم فيه أو تعمّد الكذب .
وأمّا الفطحيّة فإن أمرها أيضا وأصح ، وفساد قولها غير خاف ولا مستور عمّن تأمّله ، وذلك أنهم لم يدّعوا نصا من أبي عبد اللّه عليه السّلام على عبد اللّه ، وإنّما عملوا على ما رووه من أن الإمامة تكون في الأكبر وهذا حديث لم يرو قطّ إلّا مشروطا ، وهو أنّه قد ورد أن الإمامة تكون في الأكبر ما لم تكن به عاهة ، وأهل الإمامة القائلون بامامة موسى عليه السّلام متواترون بأن عبد اللّه كانت به عاهة في الدين ، لأنّه كان يذهب إلى مذاهب المرجئة الذين يقفون في علي عليه السّلام وعثمان ، وأن أبا عبد اللّه عليه السّلام قال : - وقد خرج من عنده عبد اللّه - « هذا مرجئ كبير » .
وأنه دخل عليه [ عبد اللّه ] يوما وهو يحدّث أصحابه ، فلمّا رآه سكت حتى خرج ، فسئل عن ذلك فقال : « أو ما علمتم أنه من المرجئة ؟ » هذا مع أنّه لم يكن له من العلم ما يتخصص به من العامة ، ولا روي عنه شيء من الحلال والحرام ، ولا كان بمنزلة من يستفتى في الأحكام ، وقد ادّعى الإمامة بعد أبيه فامتحن بمسائل صغار ، فلم يجب عنها ولا تأتىّ « 3 » للجواب ، فأيّ علّة أكثر ممّا ذكرناه تمنع من إمامة هذا الرجل ؟ مع أنه لو لم تكن علّة تمنع من إمامته لما جاز من أبيه صرف النصّ عنه ، ولو لم يكن قد صرفه عنه لأظهره فيه ، ولو أظهره لنقل وكان معروفا في أصحابه ، وفي عجز القوم عن التعلّق بالنصّ عليه دليل على بطلان ما ذهبوا إليه .
هامش
( 1 ) - شبه .
( 2 ) - شبه .
( 3 ) - تأتّى للأمر : تهيّأ وتسهّل .