قلنا : إنّ الذهب إنّما له فضل القيمة في الدنيا ، والفضّة لبياضها أحسن منه سيّما فضّة الجنّة الّتي قد وصفت بما وصفت من الفضل والصفاء والحسن ، والبياض أحسن الألوان في أكثر الأشياء .
وقال الكلبي : هذه ثياب المخدومين وحليّهم .
وقال الشيخ أبو سهل الأنماري رحمه اللّه : إن جعلت هذه الصفة للخدم الّذين يخدمونهم في الجنّة دون المخدومين كان أصوب ، لأنّ اللّه تعالى جعل صفة المخدومين في سورة الحجّ على غير هذه الصفّة ، فقال :
جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ
[ 23 / الحج : 22 ] .
وقد قلنا في كتاب المباني : يحتمل أنّ اللّه سبحانه ذكر في هذه السورة الفضّة لأنه ذكر قبلها السندس الخضر والإستبرق ، فذكر بعدها حليّ الفضّة لأن / 111 / بياض الفضّة مع خضرة السندس أحسن ، وذكر في سورة الحجّ الذهب لأنّه ذكر معها الحرير ، وصفرة الذهب مع الحرير أزين .
ويحتمل أيضا أنّه ذكر الفضّة في هذه السورة لأنّه ذكر قبلها أواني الفضّة بقوله :
قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ
و
وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ
فذكر أساور من فضّة لتكون الأبواب موافقة ، على ما جرت من عادات الملوك إذا اتّخذوا مجلسا من بياض جعلوا ما يتعلّق به من ذلك الجنس أيضا ، وكذلك في الملبس ، ثمّ إذا اتّخذوا السواد جعلوا سائر أخواته على ما يوافقه ، فذكر الفضّة عقيب ذكر الفضّة أحسن وأوفق .
ويصلح أن يكون تخصيص الفضّة في هذه السورة إشارة مرموزة إلى الجارية الّتي كانت للمرتضى رضوان اللّه عليهم المسمّاة « فضّة » على ما ذكرناه في الفضّة والرموز تدخل في كلام الحكماء لنوع من الاستظراف والحسن في الإيماء .
فهذه أربعة أوجه ذكرناها من غير حكم على واحد منها ، واللّه أعلم بالصواب .
فإن قيل : كيف قال :
وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً
وهل فيه شيء يدلّ على التشبيه ؟
قلنا : ليس فيه شيء من معنى التشبيه ، لأنّ العرب تجعل « سقى » و « أسقى »