الجماهير المدهوشة ويمينهم بحياة أعز الناس عليهم تارة ، ويخوفهم بالقتل وتقطيع الأيدي والأرجل إذا لم يقتنعوا بحياته أخرى كان لها اثرها على الذين تتملكهم العاطفة الهائجة في مثل هذه الحالات فيتعلقون بالأوهام لا سيما إذا كان فقيدهم من النوع الذي يجوز عليه ما لا يجوز على سائر الناس .
ان عمر بن الخطاب كان ابعد الناس عن التعلل بمثل هذه الأوهام ، ولم يتردد لحظة واحدة في وفاة النبي ، بل كان منذ ان اشتد به المرض على ثقة بأنه سيلاقي ربه ، ولذا تخلف عن جيش اسامة وحاول ان يحول دون تنفيذ الجيش ، وحينما طلب النبي دواة وقرطاسا ليملي عليهم عهده قال إنه ليهجر حسبنا كتاب اللّه ، وإذا كان معتقدا بأنه لا يموت فما يضره ان يعهد لأي كان من الناس ، ولا معنى لقوله حسبنا كتاب اللّه إلا أن كتاب اللّه يكفينا بعد موتك فلا حاجة لنا بكتابك .
ولا أظن أحدا يعرف عمر بن الخطاب ، ويحتمل به انه كان ظانا أو معتقدا لما يقول الا بعض أغبياء الشيعة الذين اتهموه بالجهل بأبسط الأمور ، وقالوا بأن من يجهل ذلك فكيف يصلح للخلافة ، وجماعة من السنة الذين قالوا بأنه أصيب بدهشة افقدته وعيه من صدمة النبأ على حد تعابيرهم المتكررة في مقام الاعتذار عنه .
انه كان يعلم هو وغيره من المسلمين ان النبي قد نص على علي بالخلافة أكثر من مرة ، ويعلم أن بعث اسامة في ذلك الوقت بالذات واصرار النبي على تنفيذه على هذا النحو وانكاره عليه وعلى أبي بكر تخلفهما عن الالتحاق بالجيش انما هو ليخلو الجو لعلي ( ع ) وتتم خلافته في غيابهما بدون منازع ويعلم أيضا ان الكتاب الذي أراد ان يكتبه لهم لا يعدو ان يكون نصا قاطعا على خلافة علي من بعده ، ولذلك عارض وقال كلمته التي من اجلها ترك النبي الكتابة .
سيرة المصطفى ( ص ) ( نظرة جديدة ) — صفحة 702
مساهمون: هاشم معروف الحسني
ص٧٠٢