الحصون المنيعة ، وما عليهم الا ان ينتظروا والانتظار قد يطول ، وهو لصالحهم أكثر منه لصالح المسلمين .
وأشار عليهم سلمان الفارسي كما في بعض الروايات باستعمال المنجنيق ، ولم يكن معروفا عند العرب قبل ذلك فصوره لهم وصنعوه وقذفوا به الصخور إلى ما وراء الحصون ، وكان قليل الجدوى لم يكن يؤثر على حصونهم ولا على اعصابهم فاستعملوا نوعا آخر من الأسلحة كان لبعض القبائل المقيمة بأسفل مكة علم بها وهو الدبابة وهي آلة يدخلون في جوفها تقيهم النبال والسيوف ، ثم يندفعون بها إلى الحصون ومنها ينفذون إلى ما وراءها ، ولكن رجال الطائف كانوا من المهارة بحيث اكرهوا هؤلاء على أن يلوذوا بالفرار ، فقد حموا قطعا من الحديد بالنار وقذفوا الدبابة بها فأحرقتها ولاذ من بها بالفرار ولما خرجوا منها رشقوهم بالنبال فأصابوا رجالا منهم .
ولم يبق للنبي من وسيلة للضغط عليهم الا الالتجاء إلى تقطيع الكروم والأشجار وكانت الطائف غنية بالكروم ومختلف أنواع الأشجار المثمرة عساهم يستسلمون عندما يرون املاكهم قد تعرضت للخطر ، وبدلا من أن يستسلموا ارسلوا إلى النبي ( ص ) يناشدونه ان يكف عنها لأصحابها أو يأخذها لنفسه ، فأمر عند ذلك أصحابه بالكف عنها .
ثم نادى مناديه أهل الطائف انه سيعفو عن كل وافد إليه منهم ، ففر إليه جماعة ، منهم أبو بكرة نفيع بن الحارث بن كلدة فأخبر النبي انهم يملكون من المؤن والذخائر ما يكفيهم زمنا طويلا ، فاستدعى رسول اللّه نوفل بن معاوية الدؤلي واستشاره في امرهم ، فقال نوفل : يا رسول اللّه ان ثقيفا كثعلب في جحر فإن أقمت عليه اخذته وان تركته لم يضرك ، وكان قد مضى على النبي نحو من خمسة عشر يوما أو تزيد ، وقد أصبحوا على أبواب ذي القعدة وهو من الأشهر الحرم ، وقد حرم فيه الإسلام القتال ، فآثر النبي ( ص ) ان يرفع الحصار عنهم ويرجع بمن معه إلى الجعرانة حيث الأسرى والغنائم ، ومنها إلى مكة ثم إلى المدينة
سيرة المصطفى ( ص ) ( نظرة جديدة ) — صفحة 608
مساهمون: هاشم معروف الحسني
ص٦٠٨