وانصراف الناس وانسل من بين القتلى مثخنا بالجراح ورجع إلى المدينة ليخبر النبي بما جرى له ولأتباعه إلى غير ذلك مما قيل حول أسباب هذه الغزوة ودوافعها .
وليس ببعيد ان يكون الدافع إلى هذه الغزوة المؤلفة من جيش لا يتجاوز الثلاثة آلاف مقاتل كما تجمع الروايات على ذلك بعد ارسال الرسل إلى هرقل وغيره من الملوك والامراء ، هو ان النبي ( ص ) لم يرسل إلى عرب الحجاز وحدهم بل ارسل إلى العالم بأسره ، وبعد ان أصبح بحكم المطمئن على دعوته في شبه الجزيرة كان يفكر ان يجد لها منفذا لخارج المنطقة التي انطلقت منها ، وكانت الدولة الرومانية هي الدولة الكبرى التي امتد نفوذها لبلاد الشام المتصلة بحدود الحجاز وصلة المكيين والحجازيين بتلك البلاد أوثق من صلتهم بأي بلد آخر ، فأرسل دعاته أولا وقواته ثانيا لا للحرب ولكن للدعوة إلى الاسلام ، اما الحرب فهي آخر ما كان يفكر فيه ، ولذا فقد أوصى قواد تلك السرية بالدعوة إلى الاسلام وبذل جميع المحاولات لإقناعهم وان لا يستعملوا القوة الا إذا اضطروا إليها كما كان يصنع هو نفسه في غزواته مع مشركي مكة وعرب الحجاز ويهودها .
ولم يكن يحسب بأنهم سيصطدمون بتلك الحشود الهائلة التي يقدرها فريق من الرواة بمائة الف وفريق آخر بمائتي ألف ، وحتى لو كان يعلم ذلك فلم يكن في سائر غزواته وحروبه يقدر للكثرة قدرا أو يحسب لها حسابا ، ومع أن جيشه رجع كالمنهزم من تلك المعركة ومني بخسائر فادحة في الأرواح الا انه ترك اثرا عميقا في نفوس أولئك الحكام الذين كانوا يتصورون ان بإمكانهم القضاء على محمد وأصحابه متى أرادوا .
لقد أيقنوا بعد تلك الغزوة ان محمدا واتباعه قد أصبحوا قوة بين القوى الموجودة في العالم ، وانهم بإيمانهم وإخلاصهم لعقيدتهم ومبادئهم يطمحون إلى اخضاع الدول الكبرى ولا يهابون العدة والعدد مهما بلغ شأنهما ، وقد
سيرة المصطفى ( ص ) ( نظرة جديدة ) — صفحة 566
مساهمون: هاشم معروف الحسني
ص٥٦٦