تعلم بذلك لا هي ولا زوجها ولا أحد من الناس ، وظنت وهو يوصيها ويؤكد عليها بالكتمان وعدم فتحها إلا بعد وفاته ، ظنت ان فيها من الأموال والمجوهرات والتحف ما لا يمكن تقديره بثمن معين .
ولم أجد تفسيرا للاحتفاظ بتلك الجثث الزواكي وتسليمها إلى خليفته في الساعات الأوائل من استيلائه على السلطة ، الا انه أراد ان يشجعه على اختيار أسلوب العنف والقسوة على العلويين وكل من يشكل بنظرهم خطرا على عروشهم ووجودهم .
ولعل من ابرز الأسباب التي قضت على المنصور باتخاذ هذا الموقف منه ان الإمام أبا إبراهيم ( ع ) كان يقدر تلك الظروف القاسية التي كانت تحيط به فاعتصم في بيته وانكمش حتى عن شيعته وأصحابه ولم يظهر الا للخواص منهم في ضمن حدود معينة ، وكانوا كما ذكرنا من قبل إذا اطمأنوا إلى شخص وأدخلوه عليه يوصيه بالكتمان الشديد ويحذره من عواقب الاعلان عنه ، مما يوحي بأن المنصور في تلك الفترة كان يتحراه بكل وسائله ومن الجائز ان لا يهتدي إليه وان لا يعرف بمكانه في تلك السهولة ، وحتى لو عرفه وأيقن بأنه الخليفة الشرعي لأبيه ، فما دام معتزلا الناس ومنقطعا عنهم فلا يضره ذلك ولا يراه خطرا على عرشه ، لا سيما وان الكثير ممن كانوا حول أبيه قد رجع بعضهم إلى أخيه الأفطح عبد اللّه ، وبعضهم إلى أخيه إسماعيل وحصل ارتباك بين الشيعة في تلك الفترة مزق وحدتهم وفرق جماعتهم وفتح المنصور لتلك الفرق والجماعات التائهة صدره وقلبه ، وثمة ظاهرة أخرى بدت في سياسة المنصور يوم ذاك ، فقد اتجه إلى العلماء المعاصرين للامامين الصادق والكاظم ( ع ) فمدهم بالمال ورفع من شأنهم وتظاهر بتكريمهم وحاول ان يفرضهم على الناس ليصرف الانظار عن العلويين وفقههم وآثارهم ، وقال يوما لبعض جلسائه : لقد بلغت من لذة الدنيا الحد الأقصى ولم يبق في نفسي الا ان اجلس انا والعلماء في مجلس واحد .
سيرة الأئمة الاثني عشر ( ع ) — صفحة 325
مساهمون: هاشم معروف الحسني
ص٣٢٥