ومجمل القول إن الإمام الصادق ( ع ) قد انصرف عن الخلافة والسياسة ولم يشترك بما رافق انهيار حكم الأمويين من تلك الأحداث التي لم تسلم منها بقعة من بقاع الدولة الإسلامية في شرق الأرض وغربها ، في حين ان الفئات المتصارعة التي برزت على المسرح سياسيا وعسكريا يوم ذاك كانت تتمنى كل فئة منها ان ينحاز لجانبها لتتستر به في سبيل أهدافها ومصالحها ، ولكنه آثر اعتزال تلك الأجواء المشحونة بالاحداث مغتنما فرصة انصراف الحاكمين والطامعين إلى معالجة مشاكلهم التي الهت البيتين الأموي والعباسي عنه وعن عامة العلويين الذين كانوا يتعرضون بين الحين والآخر للتنكيل والمطاردة وشتى صنوف التعذيب ، آثر اعتزال كل ذلك إلى ما يعنيه من أمر الإسلام وشريعة الإسلام ، واستطاع ان يحقق خلال سنوات معدودات من المكاسب لخير الإسلام وشريعة الإسلام ما لم يتهيأ لغيره ان يحققه فيما مضى وما سيأتي من بعده .
وسواء صح ما رواه الرواة من أنه كان يعلم بما ستتمخض عنه تلك الانتفاضات أو لم يصح فإن اعتزاله يدل على بعد نظره ورؤيته الصادقة لما وراء تلك الاحداث من النتائج التي كان صلحاء المسلمين وحتى عامتهم يرجون خلافها .
لقد اتجه بكل امكانياته إلى الدعوة للدين ونشر تعاليمه وأحكامه والعمل بها ولم يترك بابا من أبواب العلم إلا ولج منه إليه وناظر الزنادقة والملحدين والمنحرفين في تفكيرهم واتجاهاتهم عن أصول الإسلام وكانت له مع هؤلاء وهؤلاء جولات موفقة ناجحة أعادت الكثير منهم إلى مواقع الحق والصواب ، وظلت دروسه في مختلف المواضيع غنية بالعطاء لكل من جاء بعده ، ومرجعا للمفكرين والعلماء في كل ما يتعسر عليهم حله .
سيرة الأئمة الاثني عشر ( ع ) — صفحة 236
مساهمون: هاشم معروف الحسني
ص٢٣٦