ومضى يقول : ما رأت عين ولا سمعت أذن ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر بن محمد الصادق علما وعبادة وورعا . وقال فيه أبو حنيفة : ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد ، لقد قال لي المنصور : ان الناس قد افتتنوا بجعفر بن محمد فهيّئ له من المسائل الشداد واسأله عنها ، فهيأت له أربعين مسألة وكان المنصور في الحيرة قد أعد مجلسا حشد فيه الوجوه والأعيان وبعث إلي فدخلت عليه وجعفر بن محمد جالس عن يمينه ، فلما بصرت به دخلتني من الهيبة له ما لم يدخلني من المنصور فسلمت عليه وجلست فقال لي المنصور : يا أبا حنيفة ألق على أبي عبد اللّه مسائلك فجعلت القي عليه مسألة مسألة وهو يقول في جوابها : أنتم تقولون كذا ، وأهل المدينة يقولون كذا ونحن نقول كذا فربما خالفنا وربما خالفهم وأحيانا يوافقنا أو يوافقهم حتى أتيت على الأربعين مسألة ما أخل منها بمسألة واحدة ، وكان نتيجة المناظرة أن قال أبو حنيفة في ذلك الحشد وبحضور المنصور الذي كان يترقب لأبي عبد اللّه الصادق ( ع ) ولو وقفة قصيرة عند بعض المسائل ، كانت النتيجة ان قال أبو حنيفة : أعلم الناس اعلمهم باختلاف الناس ، فأحس المنصور بالخيبة وتبددت آماله التي كان يرجوها من وراء هذه المناظرة ، لقد كان يرجو أو يتمنى ان يتوقف الإمام الصادق ( ع ) ولو في مسألة من المسائل الأربعين التي أعدها له أبو حنيفة من بين المسائل الصعاب .
لقد كان المنصور يتمنى ذلك ليظهر للناس ان جعفر بن محمد كغيره من الفقهاء لا كما يراه شيعته وأصحابه وأكثر الناس فوق مستوى الجميع ، فاستطاع الإمام عليه السلام ان يفرض نفسه على أبي حنيفة والمنصور وعلى الناس أجمعين .
وكان أبو حنيفة قد تتلمذ على الإمام الصادق نحوا من سنتين متصلتين حينما فر من حبس ابن أبي هبيرة والتجأ إلى الحجاز فأقام بها إلى أن ظهر أبو العباس السفاح وبهذه المناسبة كان أبو حنيفة يقول : لولا السنتان لهلك النعمان ، والتقى به أكثر من مرة خلال سفراته إلى الحجاز .
سيرة الأئمة الاثني عشر ( ع ) — صفحة 238
مساهمون: هاشم معروف الحسني
ص٢٣٨