من الغد أتى أبو حنيفة فقال عليه السّلام : جئت تقبض ثمن البغلة ؟
قال : نعم ، فركب عليه السّلام البغلة وركب أبو حنيفة بعض الدواب فتصحرا جميعا .
فلمّا ارتفع النهار نظر أبو عبد اللّه عليه السّلام إلى السراب يجري قد ارتفع كأنّه الماء الجاري فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام : يا أبا حنيفة ما هذا الذي عند الميل كأنّه يجري ؟
قال : ذاك الماء يا ابن رسول اللّه .
فلمّا وافيا الميل وجداه أمامهما فتباعد ، فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام : اقبض ثمن البغلة ، قال اللّه تعالى :
كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ
« 1 » قال : فخرج أبو حنيفة إلى أصحابه حزينا فقالوا له : ما لك يا أبا حنيفة ؟
قال : ذهبت البغلة هدرا وكان قد أعطي بالبغلة عشرة آلاف درهم « 2 » .
أقول : كان السائل لأبي حنيفة كان من أهل الكتاب ، وكان في كتابهم تفسير اللّاشيء بالسراب كما هو الوارد في القرآن العزيز وفيه دلالة على جواز أن يكون الثمن من قبيل اللّاشيء وبه يصحّ البيع وتملك السلعة لأنّه يؤول إلى كون الثمن تعليم مسألة علمية فيدخل تحت الإجارات وإن وقع بصيغة البيع .
[ في ] كنز الفوائد ذكروا أنّ أبا حنيفة أكل طعاما مع الصادق عليه السّلام .
فلمّا فرغ من الأكل قال : الحمد للّه ربّ العالمين اللّهم إنّ هذا منك ومن رسولك فقال أبو حنيفة : يا أبا عبد اللّه أجعلت مع اللّه شريكا ؟
فقال له ؛ ويلك إنّ اللّه يقول في كتابه :
وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ
« 3 » ويقول في موضع آخر :
وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ
« 4 » فقال أبو حنيفة : واللّه لكأنّي ما قرأتهما قط من كتاب اللّه ولا سمعتهما إلّا في هذا الوقت . فقال عليه السّلام : بل قرأتهما ولكن اللّه تعالى أنزل فيك وفي أشباهك
أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها
وقال :
كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ
« 5 » .
هامش
( 1 ) - سورة النور : 39 .
( 2 ) - الاختصاص : 190 .
( 3 ) - سورة التوبة : 74 .
( 4 ) - سورة التوبة : 59 .
( 5 ) - سورة المطفيفين : 14 .