خلقها ليضيء بها غياهب الظلمات ، ويرشد بها الحائر ، ويأمن بها المظلوم ويلجأ إليها الخائف والمستجير ، ولكن قوى الشر والطغيان قد أطفأت ذلك الكوكب ، وحرمت الانسان من الاستضاءة بنوره .
لقد رزئ العالم الاسلامي بتلك الفاجعة الكبرى ، وخسر بموته خيرا كثيرا ، لقد انطوى عز المسلمين ومجدهم ، وغاب عنهم من كان يحنو عليهم ، ويعطف ، ومن كان يوجههم إلى الخير ، ويبعدهم عن الآثام والشرور .
وكان المأمون يترقب وفاة الامام بفارغ الصبر ، فلما وافاه النبأ بموته انبرى وهو يظهر الحزن ، ويقول أمام الناس لنفي الجريمة عنه : « كنت آمل أن اقدم قبلك ، ولكن أبى اللّه إلا ما أراد » « 1 » .
وأخذ المأمون في تجهيز الامام ، وتكفينه ، وبعد الفراغ منه حمل إلى مقره الأخير ، وقد جرى له تشييع هائل لم تشهد نظيره خراسان في جميع مراحل تأريخها ، ومشى خلف النعش العظيم المأمون وهو حاف حاسر ، رافعا عقيرته قائلا :
« لقد ثلم الاسلام بموتك ، وغلب القدر تقديري فيك » « 2 » .
وجاء بالجثمان المقدس فشق له لحدا إلى جانب قبر الرشيد ، فواراه فيه ، وقد وارى معه الحلم والعلم والسخاء ، فقد أودع في ارض فارس مصباح من أئمة الهدى ، وقد تقدست تلك البقعة الطاهرة ، وبلغت القمة شرفا ومجدا ، فقد أحيطت بهالة من التكريم والتقديس عند جميع المسلمين وسئل المأمون عن السبب في مواراة الامام إلى جانب أبيه ، فقال :
« ليغفر اللّه لهارون بسبب جواره للرضا » وهو منطق هزيل فان كل انسان
هامش
( 1 ) كشف الغمة 3 / 123 .
( 2 ) عيون أخبار الرضا 2 / 241 .