ألا قوموا إلى الكرخ * إلى منزل خمار
إلى صهباء كالمسك * إلى جونة عطار
وبستان به نخل * له زهر بأشجار
فان أحببتم لهوا * أتيناكم بمزمار « 1 »
إن هذا اللون من الأدب المكشوف قد دل على انتشار الميوعة وفساد الاخلاق والتحلل من الرواسب الدينية التي تحرم ذلك .
إن سمة الحياة في ذلك العصر يمثلها الشعراء ، فقد استأثرت عواطفهم وأحاسيسهم باللهو والمجون ، وتعلقت قلوبهم بالخمر فعكفوا على وصفها والثناء عليها ، وقد كرس أبو نواس مجهوده الفكري على « وصف الأكواب والكؤوس والدنان والسقاة والخمارين والندمان والكروم ، ولم يفته أن يذكر أصناف الخمور ، وطريقة صنعها ، ولم ينس أن يفرق بين هذه وتلك في الطعم واللون والرائحة ، ولم يقصر في بيان النشوة ، ودبيبها في الأعضاء وسورتها في الرؤوس ، ولم يكن بيانه بيان الذي يتعمد ذلك لغرض فني فحسب بل كان بيان الذي تمكن من نفسه الحب ، فجعله يلتفت إلى كل ما يتصل بها وينظر إلى ما لا يراه سواه ، ويحس فيها بما لم يحس به أحد .
وقد وصل حبه إلى الخمر إلى حد العبادة والتقديس ، وقد شاعت خمرياته ، وافتتن الناس بها ، وكان الجاحظ معجبا اعجابا شديدا بهذه الأبيات :
ودار ندامى عطلوها وأدلجوا * بها اثر منهم جديد ودارس
مساحب من جر الزقاق على الثرى * وأضغاث ريحان جنى ويابس
حبست بها صحبي فجددت عهدهم * واني على أمثال تلك لحابس
هامش
( 1 ) حديث الأربعاء : 2 / 46 - 48