وسارت قافلة الامام تطوي البيداء ، فلما انتهت إلى دير هند « 1 » القى الإمام ( ع ) على عاصمته نظرة ملؤها الأسى واللوعة ، ثم تمثل ببيت من الشعر يلمس فيه مدى استيائه وحزنه قائلا :
ولا عن قلى فارقت دار معاشري * هم المانعون حوزتي وذماري « 2 »
لقد ودع الامام الكوفة بالأسى والحسرات ، ولم يذكر ما لاقاه من الغدر والخيانة به ، فأي « نفس ملائكية هذه التي لقيت من نشوز هذه الحاضرة ومن بوائقها ما لقيت ، ثم هي تودعها بهذا البيت من الشعر فلا تذكر من تاريخها الطويل العريض ، إلا وفاء الأوفياء « المانعين الحوزة والذمار » ، وهم الذين منعوا عنه من أراده في المدائن ، والذين ثبتوا على طاعته يوم العسرة في مسكن فكانوا اخوان صدق ، وخيرة الأنصار على قلتهم » وسار موكب الامام ولكنه لم يبعد كثيرا حتى أدركه رسول معاوية يريد أن يرده إلى الكوفة ليقاتل طائفة من الخوارج خرجت عليه ، فأبى عليه السلام أن يعود وكتب إلى معاوية :
« لو آثرت أن أقاتل أحدا من أهل القبلة لبدأت بقتالك ، فإني تركتك لصلاح الأمّة وحقن دمائها » « 3 » .
ثم مضى ( ع ) ولم يعتن بمعاوية ، وما اجتاز موكبه على حي أو قرية إلا وخف من فيهما إلى استقباله والتشرف بمقابلته ، وكان أول حديث يبدءون به السؤال عما صار إليه أمره مع معاوية فيخبرهم ( ع ) بالحال
هامش
( 1 ) دير هند : يقع بالحيرة ترهبت به هند بنت النعمان بن المنذر فسمي بها .
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 4 / 6 .
( 3 ) الكامل 3 / 208 .