أيضا نهى ابن سعد أصحابه أن يبرزوا لأصحاب الحسين رجلا رجلا » « 1 » .
وليس هذا بعجيب ولا بغريب على من لا يبتغي شيئا في هذه الحياة إلّا وجه اللّه والدّار الآخرة ، ليس هذا غريبا على الحقّ إذا نازل الباطل ، وعلى من سمع بعقله وقلبه صوت اللّه يناديه إقدم ، ولك أحسن الجزاء . لقد عبّر كل شهيد في الطّفّ بأفعاله قبل أقواله عمّا قاله سيّد الشّهداء : « أما واللّه لا أجيبهم إلى شيء ممّا يريدون ، حتّى ألقى اللّه تعالى ، وأنا مخضّب بدمي » « 2 » .
لم يكن المال والأمان من أهداف أبطال الطّفّ ، لم يكن لهم إلّا هدف واحد ، يفتدونه بكلّ ما غلا وعز ، ويستعذبون في سبيله كلّ شيء حتّى الموت ، ليس لأصحاب الحسين إلّا هدف واحد لا غير هو التّقرب إلى اللّه بنصرة العترة الطّاهرة ، ولا وسيلة إلى نصرتهم في هذا الموقف إلّا بذل النّفوس ، والالتجاء إلى السّيوف ، فرحوا يحطمون الفرسان بسيوفهم يمينا وشمالا ويلقون بأنفسهم على الموت ، لا يحول بينهم وبين المنيّة حائل ، وما زادهم الحصار ، والجوع ، والعطش إلّا بسالة ومضاء .
ولم تكن لأصحاب الحسين هذه الشّجاعة والاستهانة بالموت ، ولا هذه العاطفة السّامية والمعاني النّبيلة لولا إيمانهم باللّه وبالحسين . إنّ الإخلاص للحقّ يبعث في النّفوس البطولة والتّضحية ، والعزم والصّراحة . وهذا ما يجعلنا نشكّك
هامش
( 1 ) انظر ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 3 / 263 ، تأريخ الطّبري : 4 / 331 و : 5 / 435 ، الإرشاد : 2 / 103 .
( 2 ) انظر ، اللّهوف في قتلى الطّفوف : 57 و 100 ، مثير الأحزان : 58 ، مقتل الحسين للخوارزمي : 2 / 9 ، الحدائق الورديّة ( مخلوط ) ، ينابيع المودّة : 3 / 75 ، نسب قريش لمصعب الزّبيري : 58 ، تأريخ اليعقوبي : 2 / 217 .