على أن من خصائصه صلى اللّه عليه وسلم وجوب طلاق من رغب في نكاحها على زوجها ، ووجوب إجابتها ، فجوّزوا رغبته في نكاح منكوحة / غيره . وأن في هذه القصّة ما لا يخفى من التّنويه بقدر المصطفى صلى اللّه عليه وسلم ، والإعلام بعظيم مكانته عند ربّه سبحانه وتعالى ، وأنّه سبحانه يحب ما يحبّه ، ويكره ما يكرهه ، وينوب عنه في إظهار ما استحيا من إظهاره ، علما منه سبحانه بأنّه إنّما يفعل ذلك قمعا لشهوته ، وردّا لنفسه عن هواها « 1 » ، كما قال سبحانه في الآية الأخرى :
إِن ذلِكُم كان يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُم واللَّه لا يَسْتَحْيِي مِن الْحَق
[ سورة الأحزاب 33 / 53 ] .
فما نقله القاضي عياض عن ابن القشيريّ وقرّره : من أن ما سبق من تجويز رغبته في نكاحها لو طلّقها زيد إقدام عظيم من قائله ، وقلّة
هامش
( 1 ) قلت : حاشاه صلى اللّه عليه وسلم عن مثل هذا . ولم يكن زواجه صلى اللّه عليه وسلم لقضاء شهوة ، بل لبيان تشريع بفعله صلى اللّه عليه وسلم . فإن الفعل آكد ، والشّرع يستفاد على نحو أقطع من فعل النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم . وما زواجه صلى اللّه عليه وسلم هذا إلّا ليرتفع الحرج والضّيق بين المؤمنين إذا أرادوا الزّواج بمطلّقات أدعيائهم ، وهم الّذين تبنوهم في الجاهليّة ، ثم أبطل الإسلام حكم التّبني ، وألغى جميع آثاره . قال أبو شهبة - رحمه اللّه - : وقد نسج المستشرقون والمبشّرون المحترفون من مثل هذه الرّوايات أثوابا من الكذب والخيال . وصوّروه صلى اللّه عليه وسلم بصورة الرّجل الّذي لا هم له إلّا إشباع رغباته الجنسيّة والجري وراء النّساء . وقد اعتمد هؤلاء في طعونهم بالنّبيّ صلى اللّه عليه وسلم على روايات مختلفة مدسوسة عند أئمة النّقد وعلماء الرّواية ، وأغلب الظّن أنّها من صنع أسلافهم من اليهود والزّنادقة من الفرس وغيرهم ، الّذين عجزوا أن يقاوموا سلطان الإسلام وقوّته ، فلجئوا إلى الدّس والكذب ، وجاز هذا الزّور على بعض الأغرار من المسلمين ، فرووه في كتبهم ، ولكنّه ما كان يخفى على العلماء والرّاسخين ، فنبّهوا على كذبه ، وحذّروا من التّصديق به .