[ الهجرة الثّانية إلى الحبشة ]
ثم تبعهم جعفر بن أبي طالب في جماعة رضي اللّه عنهم ، حتّى بلغوا اثنين وثمانين رجلا ، سوى النّساء والصّبيان ، فلمّا وصلوا إلى ( الحبشة ) أكرمهم النّجاشيّ ، وأحسن جوارهم ، وسمع القرآن من جعفر رضي اللّه عنه ، فامن به وصدّق ، وأمر قومه بذلك فأبوا ، فكتم إيمانه عنهم .
[ وفد قريش إلى الحبشة لاسترداد المهاجرين إليها ]
فلمّا شاعت بذلك الأخبار ، وجّهت قريش إلى النّجاشيّ عمرو بن العاص في جماعة ، ووجّهوا معهم بهدايا للنّجاشيّ ولخواصّه ، فقدموا على النّجاشيّ وقدّموا ما عندهم من الهدايا ، وكلّموه في شأنهم ، ليمكّنهم / منهم ، فغضب ، وردّ هداياهم عليهم ، فانقلبوا خائبين .
[ عودة بعض مهاجري الحبشة ]
ثم إن مهاجرة ( الحبشة ) بلغهم أن أهل ( مكّة ) أسلموا ، فاستخف ذلك الخبر جماعة منهم ، نحو ثلاثين رجلا ، فأقبلوا راجعين ، حتّى إذا كانوا بقرب ( مكّة ) بان لهم فساد الخبر ، فلم يدخل أحد منهم ( مكّة ) إلّا مستخفيا أو بجوار ، وأقام بقيّة المهاجرين ب ( الحبشة ) إلى سنة [ سبع ] من الهجرة ، فمدّة إقامتهم نحو عشر سنين « 1 » .
هامش
( 1 ) قلت : أورد ابن هشام ما ذكره ابن إسحاق عن عودة مهاجري الحبشة قبل خبر نقض صحيفة المقاطعة وبعد إسلام عمر بن الخطّاب ، وعنده - كما ورد أعلاه - أن الّذين عادوا إثر ما بلغهم من إسلام أهل مكّة كانوا ثلاثة وثلاثين رجلا ، وأن منهم من أقام بمكّة إلى أن هاجر وشهد بدرا ، ومنهم من مات فيها ، والباقون حبسهم المشركون . ويبدو أن ابن إسحاق لم يفصل بين خبر من عادوا إثر الهجرة الأولى إلى الحبشة وخبر من عادوا إثر الهجرة الثّانية إليها . ولعل هذا راجع إلى أنّه لم ينص على حصول هجرتين ، والأرجح : أن الّذين عادوا إثر سماعهم بإسلام أهل مكّة وإسلام عمر هم العشرة الّذين هاجروا أوّلا ، وكانت عودتهم في السّنة الّتي خرجوا فيها بعد أن أقاموا في الحبشة شهرين ، وقد دخلوا مكّة مستخفين أو بجوار ، ثم هاجروا إلى الحبشة ثانية على الأرجح مع جعفر ابن أبي طالب وأصحابه . وأمّا الثّلاثة والثّلاثون الّذين ذكرهم ابن إسحاق فهؤلاء هم الّذين عادوا من الحبشة إثر الهجرة الثانية ، وذلك حين سمعوا بمهاجر النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة كما ذكر ابن سعد ( انظر الجامع في السّيرة النّبويّة ، ج 1 / 422 ) .