تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تثبيت دلائل النبوة — صفحة 636

مساهمون:

ص٦٣٦
وكان أبو جعفر المنصور وجد مرضا ، فذكر له طبيب بجنديسابور فأحضره ، فمكث في داره زمانا وأقام فيها لعلاجه ، فلما طعم طلب من الخدم خمرا ، فقالوا له : ما في هذا القصر خمر ولا شيء من الأنبذة ولا لك إلى هذا ، سبيل فقال : أنا رجل ذمىّ وأستحله وبه أحفظ صحتي ، وما شربت ماء مذ كذا وكذا خوفا من شرّه ، وأنا أخشى إن عدمت الخمر أن أمرض وأموت ، فقيل له : ما شاء فليصبك مالك إلى هذا سبيل ، فشرب الماء على كره فلما أصبح أخذ قارورته فإذا هي كما كانت وهو يشرب الخمر ، فاشتد تعجبه وذكر ذلك لإخوانه . وعندهم أن الحرارة الغريزية تقوى بشرب الخمر وتضعف بشرب الماء ، حتى قال قائل منهم : واللّه ما حرم نبيّ العرب الخمر والأشربة على أتباعه إلا لفضل عقله ، فانّ الأنبذة المسكرة مضرة بالعقل جدّا محيلة له وكذا الغناء ، وما شيء أفضل من العقل ، فكل ما أضر به وأثر فيه فخبيث رديء ، وقد وجد في العسل وغيره ما ينوب عن الخمر وسائر الأنبذة في إسخان المزاج وتعديل الطبع مع سلامة العقل ، فجناية الأشربة المسكرة في تغيير العقل أعظم الجنايات وأكبر الأمراض ، وليس الطبيب من داوى مرضا بدواء أعقب مرضا هو أعظم منه . قال فأما ما يحدث لشارب السكر وسامع الغناء من الطرب وسرور النفس والنزاقة والخفة فما هو إلا لنقصان عقله ولا فضلة لها ولا خير منها ، فنبيّ العرب أطب الأطباء وأفطن العقلاء ، هذا قول من كان له عدوا ومكذبا . وقد ذكر الناس / فضل عقول أكلة التمر ولحم الجزور على أكلة لحم الخنزير بما هو مذكور في غير هذا الموضع ، والناس يعاينون حياة الحيوان والنبات بوجود الماء وتلفهم مع عدمه ، ولا يغنيهم عنه خمر ولا غيره ، بل تزيد الخمر
تثبيت دلائل النبوة — صفحة 636 | القاضي عبد الجبار الهمذاني / عبد الكريم عثمان