تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تثبيت دلائل النبوة — صفحة 324

مساهمون:

ص٣٢٤
أخلفنا في شيء قط ، وما جرى لهم معهم يطول شرحه ، وهو مذكور في مواضعه ، وإنما ذكرنا هذا القول لأن من قطعته هذه الآيات فتحيّر فلم يجد متعلقا فأخذ يقول فيها عند صحتها : هذه المواعيد لم تكن في أول الأمر ، وإنما يقال هذا فيمن أخلف مواعيده وظهر كذبه في شيء بعد شيء ، فأما من مكث ثلاثين سنة يخبر بما في هذا القرآن ، ثم ينحو مثله من الأخبار ، فلم يخلف في شيء منه ، كيف يقال / فيه « 1 » مثل هذا ، ولو كان قد قال هذا القول قبل موته بساعة لما خرج من أن يكون آية ودلالة على نبوته وأنه شيء قد انتقضت العادة به ، فإنه صلّى اللّه عليه وسلم ما خلف بيوت الأموال ولا مروج الكراع ولا خزائن السلاح ، بل مات فقيرا ، ومرض وعنده سبعة دنانير ، فقال : ما كان يقول محمد لربه لو لقيه وهذه عنده ، فقسمها وتصدق بها . وقد حمى نفسه ونساءه وأهله وولده عن الدنيا كما هو معروف ، وما خلف في أصحابه وعليهم إلا البصائر فقط ، وقد ارتدت العرب بعده إلا ومسجدين : مكة والمدينة ، فنهض أصحابه بالأمر وليس معهم إلا التقوى والبصائر ، وإنما يقول مثل هذا من لا يعرف الفرس والروم وقديمها وشدة بأسها وحزمها وضبطها ويسرها وكثرة جنودها وتقادم الملك فيها وضنّها بملكها . وحال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وسيرته وما خلفه ، وكيف كانت حال العرب في المهانة الضعف والقلة عند ملوك الفرس والروم والهند وغيرهم ، وشرح ذلك يطول . فما غلبت العرب إلا بالتقوى ولا عزت إلا بالاسلام . ولقد كانت الفرس تنفذ إلى جزيرة العرب فيما يكرهونه بالرجل الواحد وبالنفر اليسير . وكذا الروم فينفذ أمرهم ، ولهذا مزق كسرى أبرويز كتاب النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم ووجّه باثنين في إشخاصه إليه . فأما عند الحرب فما كانوا ينفذون إلى الجمع الكبير من العرب إلا بالنفر اليسير ، ولقد عجبت العجم والعرب من انكسار السريّة
هامش
( 1 ) في الأصل : في