تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس — صفحة 321

مساهمون:

ص٣٢١
وما حولها ثم صعد إلى السماء فنزل المدينة وأشرقت أرض يثرب بنوره وكثير من الكواكب تحرّكت موافقات له ثم انّ ذلك القمر مع تلك الكواكب الجمة صعدت إلى الهواء وهبطت في حرم مكة وأرض يثرب مضيئة بعد كما كانت الا ثلاثمائة وستين بيتا وفي رواية أربعمائة بيت * ولما انتهى ذلك القمر إلى البلد الحرام استنار ما حول الحرم أيضا ثم سار القمر نحو المدينة ودخل منزل عائشة فانشقت الأرض وتوارى فيها فلما انتبه أبو بكر غلبة البكاء إذ كان ماهرا في معرفة تعبير الرؤيا ومشهورا بين العرب بهذا الفنّ فنظر بنظر الاعتبار في تعبير تلك الرؤيا فعلم أن ذلك القمر شمس فلك الرسالة وانّ تلك الكواكب اللوامع أصحابه وأقر باؤه الذين يختارون الغربة بموافقته ويهاجرون إلى المدينة ورجوع ذلك القمر مع تلك الكواكب إلى مكة دليل على أن فتح مكة سيحصل له ودخوله منزل عائشة علامة انها تشرف بشرف فراشه في المدينة وانشقاق الأرض وتوارى القمر فيها مشير إلى أن وفاته صلّى اللّه عليه وسلم تكون بالمدينة ويدفن في بيت عائشة فاعترى أبا بكر من هذه الرؤية غمان أحدهما غم الهجرة من دياره وترك وطنه المألوف والثاني غم مفارقة النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم فتفكر في نفسه فقال أمّا مفارقة النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم فأمر صعب وأمّا الغربة فلا أباليها إذا كنت معه صلّى اللّه عليه وسلم كما قيل
لو ضمني بيت نمل والحبيب به * لكان ذلك لي روض وبستان
وأطيب الأرض ما للقلب فيه هوى * سم الخياط مع المحبوب ميدان
وقيل
رحب الفلاة مع الأعداء ضيقة * سم الخياط مع الأحباب ميدان
فترصد رفاقته وانتظر صحبته صلّى اللّه عليه وسلم * ومن تعبيرات أبى بكر ما ذكر في حياة الحيوان انّ عائشة رضى اللّه عنها رأت ثلاثة أقمار سقطن في حجرها فقال لها أبو بكر ان صدقت رؤياك فإنه يدفن في بيتك ثلاثة من خيار أهل الأرض فلما دفن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم في بيتها قال لها أبو بكر هذا أحد أقمارك وهو خيرها واللّه أعلم *

( ذكر مشاورة قريش في اخراجه أو حبسه أو قتله واخبار جبريل بذلك إياه صلى اللّه عليه وسلم واذنه له بالهجرة )

* قال أصحاب السير لما رأت قريش انّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أصابوا منعة وأصحابا بغير بلدهم ونزلوا دارا ووجدوا مهاجرا قريبا يهاجر إليه بقية أصحابه عرفوا انه قد عزم أن يلحق بهم وسيحميه المدنيون فخافوا خروجه إليهم وحذروا تفاقم أمره فاجتمعوا بدار الندوة للمشاورة وهي دار قصى بن كلاب وكانت قريش لا تقضى أمرا الا فيها وفيها يتشاورون وحجبوا الناس عن الدخول إليهم لئلا يدخل أحد من بني هاشم فيطلع على حالهم فزعم ابن دريد في الوشاح انهم كانوا خمسة عشر رجلا * وفي المولد لابن دحية كانوا مائة رجل ولما قعدوا للتشاور تبدى لهم إبليس في صورة شيخ نجدى جليل فوقف على باب الدار فلما رأوه قالوا من الشيخ قال شيخ من أهل نجد سمع بالذي تواعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون وعسى أن لا يعدمكم منه رأى ونصح * وفي معالم التنزيل سمعت باجتماعكم فأردت أن أحضركم ولن تعدموا منى رأيا ونصحا قالوا ادخل فدخل معهم وقد اجتمع فيها أشراف قريش من كل قبيلة وفي رواية تبدى لهم الشيطان في صورة شيخ نجدى لابس مرقع وجلس * وفي المواهب اللدنية تمثل لهم الشيطان في صورة شيخ نجدى لأنهم قالوا كما ذكره بعض أهل السير لا يدخلن في المشاورة معكم أحد من أهل تهامة لانّ هواهم مع محمد فلذلك تمثل في صورة شيخ نجدى قالوا من الشيخ ومن أدخلك في خلوتنا هذه بغير اذننا قال أنا شيخ من قبيلة نجد وجدت وجوهكم مليحة ورائحتكم طيبة أردت أن أسمع كلامكم وأقتبس منه شيئا ولقد أعرف مقصودكم وان كنتم
تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس — صفحة 321 | الشيخ حسين بن الحسن الديار بكري