قال فدعونى فالذي أنا فيه خير أوصيكم بثلاث اخرجوا المشركين من جزيرة العرب وجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم قال وسكت عن الثالثة أو قال فنسيتها انا وفي رواية أخرى عن عبيد اللّه بن عبد اللّه قال فكان ابن عباس يقول إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وبين ان يكتب لهم الكتاب من اختلافهم ولغطهم * ومنه ما رواه البخاري
شرح
( دعوني ) أي اتركوني من النزاع واللغط الذي شرعتم فيه ( فالذي أنا فيه ) أي من طلب الكتابة ( خير ) من عدمها كذا قال في التوشيح وأحسن منه ما قاله النووي أي الذي أنا فيه من مراقبة اللّه والتأهب للقائه والفكر في ذلك ونحوه خير مما أنتم فيه ( اخرجوا المشركين من جزيرة العرب ) الصحيح انها مكة والمدينة واليمامة واليمن وقال الأصمعي هي ما بين أقصى عدن إلى ريف العراق طولا ومن جدة وما والاها إلى أطراف الشام عرضا وقال أبو عبيد هي ما بين حفر أبى موسى إلي أقصى اليمن طولا وما بين رمل يبرين إلى منقطع السماوة عرضا وفي الحديث وجوب اخراج الكفار من هذه الجزيرة مطلقا عند مالك وخص الشافعي ذلك بالحجاز وهي مكة والمدينة واليمامة ومخاليفها وأعمالها دون اليمن وغيره بدليل آخر مشهور في كتبه وكتب أصحابه ولا يمنع الكافر من التردد في الحجاز لنحو تجارة بشرط أن يخرج لدون أربعة أيام صحاح نعم يمنع عندنا في الحرم المكي ويجب اخراجه منه فان مات ودفن به بشرط ما لم يتغير وجوز أبو حنيفة دخولهم الحرم أيضا ( وأجيزوا ) أي أعطوا الجائزة ( الوفد ) الذي يفدون إليكم ضيافة واكراما وتطييبا لقلوبهم وترغيبا للمؤلفة ونحوهم وإعانة على سفرهم ونقل عياض عن العلماء عدم الفرق بين أن يكون مسلما أو لا لان الكافر انما يفد غالبا لما يتعلق بمصالحنا ومصالحهم ( قال ) سعيد بن جبير ( وسكت ) ابن عباس ( عن الثالثة أو قالها ) ابن عباس ( فنسيتها انا ) شك سعيد بن جبير في ذلك كذا قال النووي وقال ابن حجر القائل ابن عيينة والساكت شيخه سليمان الأحول والثالثة الوصية بالقرآن قاله الداوودي وابن التين أو تنفيذ جيش أسامة قاله المهلب وابن بطال أو النهى عن اتخاذ قبره وثنا يعبد أو الصلاة وما ملكت أيمانكم قالهما عياض قال وقد ذكر مالك في الموطأ معناه مع اجلاء اليهود من حديث عمر ( فكان ابن عباس يقول إن الرزية ) أي النقص ( كل الرزية ) تأكيد لعظمها ( ما حال بين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وبين ان يكتب لهم ) ذلك ( الكتاب ) قال ذلك بحسب اجتهاده رضي اللّه عنه ان الكتب كان أصوب من الترك وخالف اجتهاد عمر ذلك حيث قال إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد غلبه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب اللّه قال البيهقي كان عمر قد علم أن بيان أحكام الدين ورفع الخلاف فيها حاصل بقوله تعالىالْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْفاستدل بذلك على أنه لا يقع واقعة الا وفي كتاب اللّه أو سنة رسوله بيانها نصا أو دلالة فآثر عمر بسبب ذلك التخفيف على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين غلبه الوجع ولئلا ينسد باب الاجتهاد على أهل العلم والاستنباط فتفوت فضيلة الاجتهاد وعدم انكاره صلى اللّه عليه وسلم على عمر دليل استصواب رأيه قال الخطابي ما معناه خاف عمر أن يكون ذلك القول مما يقوله المريض مما لا عزيمة فيه فيجد المنافقون بذلك سبيلا إلى الكلام في الدين قال ولا يجوز ان يحمل قول عمر على أنه توهم الغلط على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أو ظن به غير ذلك مما لا يجوز عليه ( ما رواه البخاري ) ومسلم مسندا فقول