كما نلاحظ ذلك في الأمور التي لا تثير فينا العاطفة نشاهد جيدا كيف تختلف أفكارنا ونظراتنا ، فكيف بالأحرى بالحوادث العاطفية .
ولا ريب أن ذلك يعود إلى العقل الذي منه الاتزان والصحة والرأي السليم .
قال الإمام الكاظم عليه السّلام في وصيته لهشام : « يا هشام إن العاقل الذي لا يشغل الحلال شكره ، ولا يغلب الحرام صبره . يا هشام من سلط ثلاثا على ثلاث فكأنما أعان على هدم عقله : من أظلم نور تفكره بطول أمله ، ومحا طرائف حكمته بفضول كلامه ، وأطفأ نور عبرته بشهوات نفسه ، فكأنما أعان هواه على هدم عقله ، ومن هدم عقله أفسد عليه دينه ودنياه .
هذا النمط من الناس ينقصهم ضعف في النفس وعدم الثقة بأنفسهم .
والسبب في ذلك يعود إلى عدم الاتكال على اللّه ، رب العالمين الذي تستمد منه وحده فهو صاحب القدرة الإلهية الأزلية .
إن المؤمن مع تمتعه بثقته بنفسه ، ومع إفادته من كل الامكانيات التي تحت تصرفه بصورة دقيقة وتامة ، لا يحضر روحه بين العلل والعوامل المادية ، ولا تتوقف إنسانيته على المادة ، بل يرى طريق التعالي والتسامي إلى القمة مفتوحا عليه ، كما يرى عمله أبعد من حدود المادة ، فهو يربط بين نشاطاته وفعالياته وأهداف الحياة العالية إن من يطمئن قلبه بالايمان يكون اعتماده وثقته باللّه تعالى الذي بيده سبحانه تدبير كل الأمور وحده لا شريك له . قال تعالى :
ما يَفْتَح اللَّه لِلنَّاس مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِك لَها وما يُمْسِك ، فَلا مُرْسِل لَه مِن بَعْدِه وهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم
« 1 » . إن اللجوء إلى غير اللّه لا ينتج عنه سوى الذلة والحقارة ، وأنى لمخلوق عاجز لا ملجأ له إلا اللّه بل هو فقير في كل شيء إليه ولا يملك من أمره شيئا ، فكيف له أن يمتلك أمر غيره ؟ وهل بعد هذا أفضل وألطف من أن يعيش الإنسان في كنف لطف اللّه وحمايته ؟ فهو مالك كل شيء وبيده تدبير جميع الأمور .
هامش
( 1 ) سورة فاطر ، الآية 2 .