قبل فلقب بذي الثفنات ، وقد أدلى الفضل بن الربيع بحديث له عن عبادته عليه السّلام حينما كان سجينا في داره .
فما ذا نستطيع تعليل هذا الصبر ؟ لم يكن سوى الايمان العميق باللّه تعالى ، والتجرد من هذه الدنيا الفانية ، والاقبال على الدار الآخرة . حتى أن هارون الظالم بهر بما رآه من تقوى الإمام وكثرة عبادته ، وتحمّله هذه الخطوب الثقيلة بصبر وهدوء . فقال متعجبا :
« إنه من رهبان بني هاشم » ! !
ولما كان مسجونا عليه السّلام في بيت السندي بن شاهك وكل أوقاته عبادة وسجود ، كانت عائلة السندي تطل عليه فترى هذه السيرة الزكيّة التي تحاكي سيرة الأنبياء ، مما دفع شقيقة السندي إلى اعتناق فكرة الإمامة ، وحفيد السندي من أعلام الشيعة في عصره إنها سيرة نبوية عريقة تملك القلوب والمشاعر ، مترعة بجميع معاني النبل والزهد والسمو والاقبال على اللّه تعالى .
وهناك صفة أخرى من صفات شخصيته الكريمة ، وهي الصمود في وجه الظلم والطغيان ، وانطلاقه في ميادين الجهاد المقدّس ؛ فقد حمل لواء المعارضة على حكام عصره الطغاة الذين استباحوا جميع حرمات اللّه ، واستبدوا بأرزاق الأمة وحقوقها الشرعية ، واستهابوا بكرامة الإسلام ، فبنوا حكمهم على الظلم والجور والاستبداد وارغام الناس على ما يكرهون . . ومن ثم كانت محنة أهل البيت عليهم السّلام الشاقة جدا فإنّهم بحكم موقعهم ودورهم القيادي الشرعي للأمة مسؤولون عن رعايتها وصيانتها وانقاذها مما ألم بها من المحن الثقيلة ، والخطوب الجسام ، فأعلنوا معارضتهم الايجابية تارة ، والسلبية أخرى السياسية ملوك عصرهم ، فذاقوا من جراء ذلك جميع ألوان الظلم والقهر والاضطهاد ، حتى انتهت حياتهم الكريمة ما بين مسموم ومسجون ومقتول ، كل ذلك من أجل مصلحة المسلمين وإصلاح أمة جدهم الرسول الأكرم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، والانطلاق بالحكام إلى سياسة العدل الخالص ، وتطبيق أحكام القرآن الكريم على واقع الحياة .
وقد تجلّى ذلك الصمود الفذ عند الإمام موسى بن جعفر عليه السّلام باصراره البالغ على شجب سياسة هارون الرشيد ، وعدم الاعتراف بشرعية خلافته ، فأصرّ
باب الحوائج الإمام موسى الكاظم ( ع ) — صفحة 14
مساهمون: حسين الحاج حسن
ص١٤