كالتلمساني ، فإنه كان من أعرف هؤلاء بهذا المذهب ، وأخبرهم بحقيقته . فأخرجه ذلك إلى الفعل ، فكان يعظّم اليهود والنصارى والمشركين ، ويستحل المحرمات ، ويصنف للنصيرية كتبا على مذهبهم ، يقرّهم فيها على عقيدتهم الشركية . وكذلك ابن سبعين كان من أئمة هؤلاء ، وكان له من الكفر والسحر الذي يسمى « السيميا » والموافقة للنصارى والقرامطة والرافضة ما يناسب أصوله ) « 1 » . ولا نحتاج إلى بيان القصد عندما أوضح ابن تيمية وجاء على أسماء الفرق ليجعل من إدراجه « الرافضة » بهذا الشكل دلالة على لون من ألوان نيله من الشيعة ، وكم له من نصوص لا يتردد فيها في ذلك دون روية أو معتمد أو مسوّغ . أما ابن خلدون ، فهو أيضا من أبطال الدعوة ورجال الحملة الظالمة على الشيعة ، وكغيره من الذين استسلموا لأسلافهم ، ولعبت بعقولهم الأهواء ، يجد في الصوفيّة مادة للطعن على الشيعة ويساهم في إثارة الغبار الذي يحجب الفوارق والحدود بين الشيعة ومن ينسب إليهم ، ولو طبقت المناهج المحدثة التي استمدّت من ابن خلدون أفكارها الاجتماعية على هذا الجانب ، لأصبحت قضية ما يحمل على الشيعة وما يتّهمون به من الأفكار الغالية والحلولية من أسس مناهج البحث التأريخي المعاصر ، ولأدى تطبيقها إلى زوال ما ألصق بالشيعة ظلما ، غير أن ابن خلدون اتّخذ حجة وعلما في فن - كما يرون - وأسهم في أمر لا يقوم على فن أو شيء من الصحة ، فمتى كان التعصب علما ، ومتى كان الهوى منهجا ؟ فما التعصب إلا من صور الجهل ، وما الميل إلى الهوى إلا من قلة الإدراك ، ولكنها إرادة الحكام وسياساتهم في التأثير على أفكار العامة ، وحملهم على الاعتقاد بأن كلما يصدر عن السلطان هو الحق ، وما يقوم به حاكم الزمان هو العدل ، فكان ابن خلدون وغيره من خدمة حضرات الملوك والمتزلّفين لكراسي السلاطين من الدعاة إلى ذلك . فانظر مقدمة مقدمته وما خلع من ألقاب على الذين جعلهم كعبة تطلعه ومهوى أحلامه ، ولقد كان أبعد الناس عن منهح التاريخ الذي أورده في فصل علم التاريخ ، لأنه راعى الملوك في دولهم والحكام في سياستهم على مدى الأقطار ، فأخلاقه تجعله يمدّ لكل حاكم يدا لأجل أن يستقرّ يوما في أحد الدواوين أو يضمّه أحد القصور ، وما التزم بما قال من أن فن التاريخ ( محتاج
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 94
مساهمون: اسد حيدر
ص٩٤
هامش
( 1 ) ابن تيمية ، الصوفية والفقراء ص 44 و 55 .