تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
والاعتراف بوجهات نظرهم التي هي في حقيقتها غير سليمة لقيامها على الاجتراء والتحكم . وقد تطرّقنا إلى ما انتهى إليه التصوّف من طقوس أسهمت في تخلف العامة ، وتشجيع ظهور حالات يؤدون بها حركات تخرجهم عن الاتزان والسلامة ، أو ادّعاء الكرامات التي يرافقها بيان وشرح تجعلها بمستوى المعجزات . فكانت هذه النهايات في المتصوفة ، إضافة إلى الأفكار والمعتقدات التي تأولوها عن شواهد وأحداث لآل بيت الرسول محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم مادة تعميق الانقسام في المجتمع الإسلامي ، وتأكيد الفرقة بين السنة والشيعة وذلك لضياع التحقيق وفقدان التدقيق . ولئن أدت حركة العلم والنشاط الفكري إلى اختلاط وتداخل بين دوائر الشيعة الفكرية وبين المعتزلة ، فقد حسمتها دلائل كثيرة مادية ومعنوية في الفكر والتصرف ، وبات واضحا لكل ذي بصر ينظر بتجرد ، أن تشابه المناهج وتقارب المنحى الفكري بين الشيعة والمعتزلة ، لا يعني اتحادهما المطلق أو تشابههما التام ، ومع هذا بقيت إلى يومنا هذا ، كمثل قضية تشيّع ابن أبي الحديد شارح كتاب نهج البلاغة ، وعدم الالتفات إلى اعتزاله ، وما ينطوي ذلك على أمور لا تقرّها الشيعة ، وما ذلك إلا من نتائج إغفال التحقيق وإهمال أمانة البحث . وإلا فإن أصول التشيّع تقترن بأصول الدعوة الإسلامية وجودا ومضمونا ، وكان أهل البيت من أئمة الشيعة قد امتازوا عبر كل عهود الحكام - وقبل ظهور تيارات الجدل والكلام - برعاية الفكر وتحفيز الرأي في حدود الشريعة والأحكام ، وضرورة العقل . وكانت مدرسة الإمام الصادق عليه السّلام من أعظم صروح الفكر الإسلامي ، لما اضطلعت به من نشاطات ومهمات تعنى بالفكر والدين ، وقد تقدمت الإشارة في الأجزاء السابقة من الكتاب - وسنأتي على ذكرها في موضعها في الجزء الثامن إن شاء اللّه - إلى اتصال رجال المعتزلة بالإمام الصادق عليه السّلام ولقد أصبحت مسألة تأثر الشيعة بالمعتزلة وأخذهم عنها من جملة المحاولات التي ترمي إلى الإساءة إلى مذهب الشيعة ، والتقليل من شأنه ، فالنظرة العجلي تظهر الحقائق ، فما ظنّك بالتحقيق ورعاية الأمانة ؟ فما المعتزلة إلا تيار لا يختلف عن بقية التيارات التي تهب بعوامل مختلفة لفترة معينة ، وقد نمت في ظل المماحكات والمناظرات ، وقامت على أسس المناظرة والجدل ، فهي في إطار الكلام وفي مناحي العقيدة ، تمثل مجموعة من الأفكار والنشاطات التي تتصل بالعقيدة ، والقصد منها الردّ على جهات داخل صفوف الأمة