من أعظم الطاعات وأفضل القربات ، وتزاحم الناس على تلك المجالس ، ولا ندري هل استغل المتصوفة هذه الفرصة ، ومن هنا انتشر ذكرهم ؟ وهل كان ظهور التصوف قبل انتشار هذه المجالس ، أم أنه انطلق منها فكانت نقطة بداية ؟ ومن المستحسن هنا الإشارة إلى نشأة التصوف وتطوره ، وكيف أصبح وسيلة لنشر الخرافات وبعث الحزازات . والذي يظهر أن بداية التصوف كان سنة 200 ه في الإسكندرية عندما ظهرت طائفة يسمّون الصوفية ، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فيما زعموا ، ويعارضون السلطان في أمره ، وترأس عليهم رجل منهم يسمى أبو عبد الرحمن الصوفي « 1 » . ويقول القشيري : انفرد خواص أهل السّنة المراعون أنفاسهم مع اللّه تعالى ، الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة باسم التصوف ، واشتهر هذا الاسم بهؤلاء الأكابر قبل المائتين من الهجرة « 2 » . وأول من سلك طريق الملامة : أبو صالح حمدون بن عمارة القصّار المتوفى سنة 271 ه وكان يفضل أن يكون مظهره مظهر المذنبين على أنه يخشى أن يصرفه تعظيم الناس له عن اللّه . وقيل : إن فكرة الملاقية قديمة ، فقد وصفها أفلاطون في أول الكتاب الثاني من الجمهورية ، العادل : الحق الذي يظن الناس أنه ليس عادلا . وكان التصوّف قد شغل ناحية هامة من نواحي الحركة العقلية الإسلامية ، بل العالمية من جهة ، وكان لأعلام مفكري الإسلام كالفارابي وإخوان الصفا وابن سينا والغزالي والحلّاج وابن العربي في التصوف آراء نظرية وخطط عملية . ولسنا بهذا العرض نريد - كما قلنا - أن نتعمّق في البحث عن التصوّف ، ونشأته وتطويره في مجال الفكر ، وقد تناولت ذلك أقلام الكتّاب والمؤرخين . والذي يغنينا هنا ، هو أن نعرف كيف تطوّر التصوّف ، ومتى حصلت فيه تلك الآراء الخاطئة ، وتحول إلى ادعاءات فارغة ووقوع أعمال منكرة ، وقد أصبح ضرره على المجتمع لا يقل عن أضرار القصّاصين ؛ بل ربما اختلط المنهجان ، وانطلقا سوية في طريق البعد عن كثير من المدّعين الصلة به ، إذ أصبح فيه من الدخلاء ودعاة السوء ما تشوّه
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 82
مساهمون: اسد حيدر
ص٨٢
هامش
( 1 ) الكندي ، الولاة والقضاة ص 162 .
( 2 ) الرسالة ص 17 .