تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥
الذي قصد إلى تطبيق نظام الإسلام وضمان حق الفقراء . وتمسك بمبدإ الآخرة وزوال الدنيا ، فكان شعاره قول اللّه سبحانه وتعالى :
والَّذِين يَكْنِزُون الذَّهَب والْفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيل اللَّه فَبَشِّرْهُم بِعَذاب أَلِيم

فامتدت إليه يد الأغنياء . ورمته في أحضان حكم معاوية ، فكان لا يخفي إنكاره لما فيه معاوية من بذخ وترف يتعارض مع الإسلام ، وزاد على ترديده قول اللّه ، قوله لمعاوية جهارا : إن كان ما أنفقت من مال اللّه فهو خيانة ، وإن كان من مالك فإسراف . ولقد أدت أوضاع الدعوة في زمن الرسالة وضرورات نشر الدين إلى معاناة كبيرة وتضحية بالغة شملت الأهل والمال والمسكن ، فقد كان أهل الصّفة ( غرباء فقراء مهاجرين أخرجوا من ديارهم وأموالهم ) ووصفهم أبو هريرة وفضالة بن عبيد فقالا : يخرّون من الجوع حتى تحسبهم الأعراب مجانين ، وكان لباسهم الصوف حتى أن كان بعضهم يعرق فيه فيوجد منه ريح الضأن إذا أصابه المطر . هذا وصف بعضهم لهم حتى قال عينية بن حصن للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : أنه ليؤذيني ريح هؤلاء ، أما يؤذيك ريحهم ؟ والمتصوفة يتمسّكون بنسبتهم إلى حال أهل الصّفة ، وأن التسمية منها ، غير أن ذلك لا يتفق مع اللغة ، وتأباه قواعد الصرف . أما النسبة إلى الصوف فقد تكون من حيث اتفاقها مع قواعد اللغة والتاريخ هي الأصح . ولا نعني بالقطع واختيار أحدها على وجه اليقين ، فليس لذلك أهمية في نظرنا ، وقد يخرج عن صلب البحث . كما أن الصوفية يريدون أن يجمعوا بين كل التسميات ، وربطها بالصّفة والصوف اللذين يتوحّدان في نظرهم ، ومن نسبهم إليهما فإنه عبّر عن ظاهر أحوالهم ، وذلك أنهم قد تركوا الدنيا فخرجوا عن الأوطان ، وهجروا الأخدان ، وساحوا في البلاد ، وأجاعوا الأكباد ، وأعروا الأجساد ، لم يأخذوا من الدنيا إلا ما لا يجوز تركه من ستر عورة وسدّ جوعة « 1 » . ونختصر القول في نصّين كليهما لأحمد أمين ، لأني في دار الغربة والابتعاد عن الوطن حيث داري ومكتبتي ، أعاني معاناة لا يعرفها إلا اللّه من توفير ما احتاج إليه من ضرورات البحث وأمهات المصادر التي كانت متيسرة في داري في النجف الأشرف ، وأنفقت بين رياض الأفكار الشطر الأوفى من عمري ، كان حصيلته الأجزاء الستة

هامش
( 1 ) انظر : أبو بكر محمد الكلاباذي ، التعرف لمذهب أهل التصوف ص 29 ، 30 ، 31 .