وبنى الحاكم جامع القاهرة وجامع راشدة على النيل بمصر ، ومساجد كثيرة ، ونقل إليها المصاحف المفضضة والستور الحرير وقناديل الذهب والفضة ، ومنع من صلاة التراويح ، وقطع الكروم ، ومنع من بيع العنب ، ولم يبق في ولايته كرما ، وأراق خمسة آلاف جرّة من عسل في البحر خوفا من أن تعمل نبيذا ، ومنع النساء من الخروج من بيوتهن ليلا ونهارا « 1 » . ولم يرض الحاكم بعادة من سبقه من الحكّام في حمل الناس على تقبيل الأرض بين أيديهم ، فنهى عن ذلك ، ونهى عن الصلاة عليه في الخطب والمكاتبات ، وجعل مكان الصلاة عليه : السّلام على أمير المؤمنين . وأمر الحاكم قاضيه عبد العزيز في يوم عاشوراء أن يمنع النساء والناس وهم في مواكب العزاء من المرور في الشوارع ، لكي لا تمتدّ يد العامة إلى أمتعة الباعة ، وأن يختص النوح والنشيد خارج المدينة . ولما منع الحاكم النساء الخروج من دورهن ومنع الأساكفة من عمل الخفاف لهن ، اتفق أن القاضي مرّ على دار امرأة ، فناشدته أن يقف لها ويسمع كلامها ، فوقف ، فبكت بكاء شديدا إلى أن رق لها ، وحلفت له أن لها ابنا أنه في السياق ، وأنها تريد أن تراه قبل أن يموت . فأمر بعض رجاله بأن يمضي معها إلى دار أخيها ، فأغلقت بابها ، وأعطت مفتاحها لجاريتها ، وذهبت مع الرجّالة إلى دار طرقتها ، ففتح لها ، فدخلت ، واستمرت مقيمة فيها ، فكشف عن أمرها ، فإذا هو منزل رجل كانت تهواه ويهواها . فأخبر القاضي بذلك ، فتعجّب من فطنتها حتى توصلت إلى مرادها ، وإذا بزوجها قد جاء إلى القاضي وقال : ما أعرف زوجتي إلا منك . وحلف أنها ليس لها أخ وإنما ذهبت إلى عشيقها . فسقط في يده ، وخاف القاضي أن يبلغ الخبر الحاكم ، فيكون سبب غضبه عليه ، فركب في الحال إلى الحاكم ، وقص عليه القصّة وبكى . فأمر الحاكم بإحضار المرأة والرجل ، فمضى الأعوان إليهما بغتة ، فوجدوهما نائمين متعانقين لا يعقلان من السكر ، فحملوهما إلى الحاكم ، فأمر بإحراق المرأة في بارية ، وضرب الرجل بالسياط ضربا مبرحا ، وزاد في الاحتياط على النساء والتحجير عليهن « 2 » .
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 490
مساهمون: اسد حيدر
ص٤٩٠
هامش
( 1 ) النجوم الزاهرة ج 4 ص 177 .
( 2 ) ولاة مصر ص 607 .