وقت قليل من السيطرة على الموقف في وادي اليتم ، وإعادة الهدوء والسكينة إلى صفوف الإسماعيلية هناك بعد فرقة واختلاف ، وعمل جاهدا لتوسيع وانتشار الدعوة الإسماعيلية في تلك البلاد ، وبقي الدرزي رئيسا للدعوة وكبيرا لدعاتها في بلاد الشام حتى إعلان وفاة الحاكم وولاية الظاهر ، فلم يعترف الدرزي بوفاة الحاكم مدّعيا بأن وفاته لم تكن سوى نوع من الغيبة لتخليص أنفس مريدي الحاكم من الأدران . وبقي متمسكا بإمامة الحاكم ، ومنتظرا عودته من تلك الغيبة . وبذلك أعلن انفصاله عن الإسماعيلية التي لا تعتقد بالغيبة ، وتقول بفناء الجسم وبقاء سرّ الإمامة بالروح ، فينتقل بموجب النص إلى إمام آخر ، وهو المنصوص عليه من قبل الإمام المتوفى ، وسمّيت الفرقة التي تبعث ( الدرزي ) بالدرزية نسبة إليه « 1 » . وعقائد الدروز تلتقي مع عقائد الإسماعيلية في الأمور التي انشقّوا بها عن المجتمع الإسلامي الشيعي ، وتطرّفهم في أمور لا يقرّها التشيّع ، وانقسموا عن المسلمين في عقائدهم التي لا يقرّها ولا يؤمن بها أتباع أهل البيت . لأن هناك عقائد هي مجموعة من أفكار وفلسفات قديمة صيغت في صورة إسلامية ، وهذا أبعد ما يكون عن نهج أهل البيت وأتباعهم ، وقد بيّنا ذلك . وأيا كان ، فالحديث عن الدروز وعقائدهم صعب ، فإن لهم كتبا مقدسة وآراء يشذّون بها عن المسلمين ، فهم يتّبعون حمزة في تعاليمه وتأليهه للحاكم ، وهنا نقول : إن الأيدي العابثة أو الفئات الحاقدة استطاعت خلق هذا الاعتقاد - تأليه الحاكم - وتشويه عقائد المسلمين بعقائد بعيدة عن روح الإسلام ، واستغلال ظروف الناس العامة وأوضاع الأشخاص . وذلك عندما حاولت بعض الطوائف إحياء ، نحلها القديمة ، واتخذت لها مبادئ كان من أهمها : مناوءة سلطان الإسلام السياسي ، وإعادة مجد أسلافهم . مما يحملنا على القول بأن هؤلاء الدعاة الذين وفدوا على مصر ، وحاولوا نشر ألوهية الحاكم ، كانوا ينتمون إلى هذه الطوائف ، وقد عمدوا من وراء دعوتهم التي قاموا بنشرها إلى إثارة الفتن والقلاقل في القاهرة ، ليمهّدوا بذلك للقضاء على الدولة الفاطمية ، غير أن محاولتهم سرعان ما باءت بالفشل « 2 » .
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 487
مساهمون: اسد حيدر
ص٤٨٧
هامش
( 1 ) تاريخ الدعوة الإسماعيلية ص 238 - 239 .
( 2 ) انظر كتاب طائفة الدروز للدكتور محمد كامل حسين ط دار المعارف بمصر 1962 .