الذي استطاع أن يقود الأمة في أخطر فترة وأشد معترك ، وأن يفتح آفاق الفكر ، ويرسي قواعد الفقه ، ويتحاشى مأزق السلطان والسياسة ، كان في بيته الأب الحاني والمربي العالم الذي يظل أولاده بالعطف ويغذيهم بالهداية والنور ، ويحبهم ويبرّهم جميعا . ونحن على أن إسماعيل كان على الصلاح والهداية ، وكان يلقى من الإمام الصادق حب الأب ورعاية الإمام ، فالتقت صور العطف هذه مع كون إسماعيل أكبر أولاد الإمام الصادق في تكوين الظن بأنه الإمام من بعد أبيه . وأما ما قيل من البداء في هذا المورد وبهذا المفهوم فلا أساس له ، لأن الإمام الصادق لم يشر إلى إمامة إسماعيل بالرغم من أن الأسئلة التي كانت توجه إليه كثيرة ، وما روي عن الادعاء بالبداء ، صادر من المخالفين الذين أباحوا لأنفسهم الكذب والتقوّل على الشيعة وأئمتهم كالجريرية « 1 » والبترية « 2 » وأصل أقوالهم التي نسبوها إلى الشيعة في البداء كان في تحولات الغلاة وبحثهم عن الأفكار التي تنسجم مع جذورهم كجماعات تسعى إلى إظهار ما جاءت عليه أيام الإسلام من عقائدهم ، وأطلقوا هذه المقالة في ظروف أصابهم الفشل فيها بعد أن حاولوا - في غلوهم وانحرافهم - الانتساب إلى ثورة محمد النفس الزكية « 3 » وقد كان المغيرة بن سعيد يدّعي الصلة بمحمد بن عبد اللّه بن الحسن ، ويقول أن الإمام علي زين العابدين عليه السّلام أوصى إليه ، وأن النفس الزكية أذن له في أمور منها : خنق الناس « 4 » . ولما فشلت تلك الثورة وقتل محمد وأخوه إبراهيم ، ادّعوا أن الشيعة وضعت البداء ، لكي لا يظهر من أئمتهم القول بخلاف ما أخبروا به . والثابت الذي لا يرقى إليه الشك هو أمر وفاة إسماعيل في حياة الإمام الصادق . ذكر ابن خلدون أنه توفي في حياة أبيه في العريض في المدينة المنورة ، ودفن بالبقيع سنة 145 ه « 5 » ويقول المقريزي : إن إسماعيل توفي سنة 138 ه وجعفر والده لا
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 456
مساهمون: اسد حيدر
ص٤٥٦
هامش
( 1 ) اتباع سليمان بن جرير من الفرق الزيدية قال بأن الإمامة شورى وأنها تنعقد بعقد رجلين من خيار الأمة ، وأجاز إمامة المفضول ، ويذكر البغدادي أن بعض أصحاب التواريخ ذكروا أن سليمان بن جرير سم إدريس بن عبد اللّه بن الحسن ، ويسميها الشهرستاني السليمانية .
( 2 ) اتباع الحسن بن صالح بن حي وكثير النواء الأبتر ، وهم كالجريرية وقد توقفوا في عثمان .
( 3 ) انظر الفرق بين الفرق ص 148 .
( 4 ) شرح ابن أبي الحديد ج 2 ص 309 .
( 5 ) تاريخ ابن خلدون ج 3 ص 360 .