فقال عبد اللّه : كان هذا الكلام منك لشيء ؟ فقال الصادق : « قد علم اللّه أني أوجب النصح على نفسي لكل مسلم ، فكيف أدّخره عنك ، فلا تمن نفسك بالأباطيل ، فإن هذه الدولة ستتم لهؤلاء . وقد جاءني مثل الكتاب الذي جاءك » « 1 » . لقد بذل الإمام لأبناء عمه النصح ، وجهد أن يجنّبهم المهالك ، ويبصّرهم بعاقبة ما يقدمون عليه ، بعد أن مرّت الأيام ، وحدث التحوّل السياسي . فقد جاءت محاولة أبي سلمة متأخرة ، لذا نرى الإمام الصادق عليه السّلام يشير إلى أبي مسلم وأهل خراسان ولبس السواد ، فكان عليه أن يحذّر الحسينيين ، فلقي منهم استنكارا واتهاما . ولكنه عليه السّلام كان يرى ما لا يرونه ، ويعجزون عن معرفته ، حتى كأن العواقب ومجريات الأحداث القادمة يقرأها في كتاب أمامه . كما إنه عليه السّلام لم يكشف من قبل عن رأيه في صور من التقرب كانت تبدر من أبناء عمومته تجاه الحكام الظلمة والتقائهم بالأمويين ، فيما كان عليه السّلام مشغولا بالواجبات الدينية ومعالجة ما يعاني منه المسلمون ، وحماية نفسه وشيعته من سلطان الجور وحكم الطغاة ، فلما قتل زيدا يوسف بن عمرو صلب جثته بالكناسة ، وبعث برأسه مع شبّة بن عقال ، وكلّف آل أبي طالب البراءة من زيد ، وقام خطباؤهم ، فكان أول من قام عبد اللّه بن الحسن ، فأوجز في كلامه ، ثم جلس . وقام عبد اللّه بن معاوية بن عبد اللّه بن جعفر ، فأطنب « 2 » . وإن صح ذلك ، ففيه تجاوز لمقتضيات الحيطة وضرورات التقية . وإن الإمام الصادق في كيانه الروحي والفكري كان على نهجه في عدم التقرب إلى الحكام والالتقاء معهم إلا في حدود دفع الخطر والهلاك ، وكانت مصيبة زيد - كما أشرنا - قد آلمته كثيرا وأحزنته ، ولكنه عليه السّلام أظهر موقع ثورة زيد والموقف منها . ولما بدأت في ظل العباسيين بوادر ثورة جديدة هي ثورة النفس الزكية بعد جهده في حملهم على العدول عن فكرة التعرّض لبني العباس بدولتهم ، وأن في طرق الإصلاح سعة ، والدعوة بين المسلمين بمبادئ العدل والإيمان هي أمان الأمة . ومن نتائج منهج الإمام أن يكون المسلم على علم بانحراف الحكام ، ويتعقب جورهم وفسادهم وباطلهم بالقول والوعي ، حتى كانت بيئة مدرسته عليه السّلام وأوضاع حياته
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 353
مساهمون: اسد حيدر
ص٣٥٣
هامش
( 1 ) الآداب السلطانية ص 137 . ومروج الذهب ج 3 ص 269 .
( 2 ) زهر الآداب ج 1 ص 79 .