بحبل ولايته ، ولم يظهر لهما ممسك يقدم لهما الحكم ، فيأمرهما الإمام بالتوقف عنده حتى يلقيا الإمام ، فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات .
ولم ترهب الإمام الصادق عليه السّلام عداوات الحكام والإحن الحي تملأ نفوسهم ، وقام بمسئوليته في أداء الرسالة وتوجيه الأمة إلى ما فيه خيرها وسعادتها .
فانقادت إليه النفوس ، وآمنت بإمامته ، فكان اتجاه الناس إلى حضرته لا يقارن به تهافت العامة على أبواب الحكام ، بل تسمو العلاقة عن مثل هذا الانحدار ، والأمر واضح بين الاتجاهين بفروقهما ، فمع الإمام دين وتقوى ، ومع الحكام دنيا وطمع .
قال إسحاق بن إبراهيم : كنت عند أبي عبد اللّه الصادق عليه السّلام إذ دخل عليه رجل من خراسان فقال : يا ابن رسول اللّه ، أنا من مواليكم ، وبيني وبينكم شقّة بعيدة ، وقد قل ذات يدي ، ولا أقدر أن أتوجه إلى أهلي ، ألا أن تعينوني ؟ فنظر أبو عبد اللّه وقال : « أما تسمعون ما يقول أخوكم ؟ إنما المعروف ابتداء ، فأما ما أعطيت بعد ما سأل ؛ إنما هو مكافأة لما بذل من ماء وجهه ، أفيبيت ليلته متأرّقا متململا بين اليأس والرجاء ، لا يدري أين يتوجه بحاجته فيعزم على القصد إليك ، فأتاك وقلبه يجب ، وفرائصه ترتعد ، وقد نزل دمه في وجهه ، وبعد هذا فلا يدري أينصرف من عندك بكآبة الرد ، أم بسرور النجح ، فإن أعطيته رأيت أنك قد وصلته ، وقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم :
والذي فلق الحبة ، وبرأ النسمة ، وبعثني بالحق نبيا لما يتجشّم من مسألته إياك أعظم مما ناله من معروفك » .
وعلى أي حال ، فإن سلطان الإمامة أصبح له كيان روحي معروف يقصده الناس من كل الأقطار ، وتؤمن من كل البلدان . يروي عبد الرحمن بن سيّابة : لما هلك أبي سيابة ، جاء رجل من إخوانه إليّ فضرب الباب علي ، فخرجت إليه ، فعزّاني وقال :
هل ترك أبوك شيئا ؟ فقلت له : لا . فدفع إليّ كيسا فيه ألف درهم وقال لي : أحسن حفظها وكل فضلها . فدخلت على أمي وأنا فرح ، فأخبرتها ، فلما كان بالعشي أتيت صديقا كان لأبي فاشترى لي بضائع سابري ، وجلست في حانوت ، فرزق اللّه فيها خيرا كثيرا . وحضر الحج ، فوقع في قلبي ، فجئت إلى أمي وقلت لها : قد وقع في قلبي أن أخرج إلى مكة . فقالت لي : فردّ دراهم فلان عليه فهاتها ، وجئت بها إليه ، فدفعتها إليه فكأني وهبتها له فقال : لعلك استقللتها فأزيدك ؟ قلت : لا ، ولكن قد وقع في قلبي الحج فأحببت أن يكون شيئك عندك . ثم خرجت وقضيت نسكي . ثم رجعت إلى المدينة فدخلت مع الناس على أبي عبد اللّه عليه السّلام وكان يأذن إذنا عاما ، فجلست في
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 336
مساهمون: اسد حيدر
ص٣٣٦