التي تقوم على الإيمان بالعقيدة في مواجهة كيان الملك والسلطان الزمني الذي يتلبّس بالدين ، ويدّعي الولاية معتمدا على زبانية الجور ولعقة الصحون ممن يتزيّون بزي الفقه ولباس العلم ، ولهذا كان الإمام الصادق ينبه على أولئك الذين يرتضون لأنفسهم أن يكونوا بالمحل الذي نبّه عليه جدّه الإمام السجاد في رسالته إلى الزهري وهو في ظل الأمويين . يذكر هشام بن عباد أنه سمع الإمام الصادق يقول : « الفقهاء أمناء الرسل ، فإذا رأيتم الفقهاء قد ركنوا إلى السلاطين فاتهموهم » « 1 » . وقد يحسب الذهبي نفسه قد أتى بشيء بقوله : مناقب جعفر كثيرة ، وكان يصلح للخلافة لسؤدده وفضله وعلمه وشرفه . فذلك ما عليه النص ، وما تواترت به الروايات ، إلا أنها الخلافة الكبرى في الدين ، وليست خلافة الملك والقوة ، تلك الخلافة التي فيها دوام الرسالة وبقاء الدعوة ، ولها هيئاتها ورجالها من أهل العلم والفقه الذين يعظم أمر انحرافهم على الأئمة ، وركونهم إلى الطغاة ، لأن سلطان الدين لسعادة البشرية ورعاية مصالح الأمة ودفع الضرر عنها ، فحرص الأئمة عليهم السّلام على إبعاد شؤون الدين من علم وفقه وحديث وسائر وجوه الكيان الروحي للإسلام عن السلطان القائم على القهر وانتهاك الحرمات . إنه عليه السّلام أدار إمامته على قواعد الإصلاح والإرشاد وإقامة مجتمع ديني مستقل بروحيته عن مبادئ السياسية وقيم الملك الدنيوي ، لا يتصل بالسلطان الزمني إلا بقدر الضرورة أو تحت تأثيراتها . وأراد أن يكون القضاء بحكم اللّه بين شيعته ومريديه ، وينأى عن دواوين الحكّام وعمّال الملوك الذين يندر فيهم وجود من يلتزم الحق ولا يغلّب مصلحته الشخصية على مصالح الناس . فراح يقول عليه السّلام - كما مر بنا قبل قليل - : « من تحاكم إليهم في حق أو باطل ، فإنما تحاكم إلى الجبت والطاغوت المنهي عنه ، ومن أمر اللّه أن يكفر به » . وجعل عليه السّلام من المتخاصمين من كان قد روى حديث أهل البيت ونظر في حلالهم وحرامهم وعرف أحكامهم هو الحكم وقال : « فليرضيا به حكما ، فإني قد جعلته عليهم حاكما » وأن الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما ، وأصدقهما في الحديث وأورعهما ، فإن لم يتيسر للمتخاصمين ، وهما على صفة الولاء للإمام والتعلّق
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 335
مساهمون: اسد حيدر
ص٣٣٥
هامش
( 1 ) الذهبي : تاريخ الإسلام ج 6 ص 48 .