ولم يعرف لأحد غيره مثل هذه الشهرة . فقد كان تلاميذه من العراق ومصر وخراسان وحمص والشام وحضرموت وغيرها . وقد تصدّر الإمام الصادق حركة المجتمع بجدارة ، وتزعم الحركة العلمية بتفرّد ، فقد ( نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان ، وانتشر صيته في جميع البلدان ) « 1 » . وكان ينذر نفسه لهذه الأغراض ، ويتّجه إلى الناس قائلا : « سلوني قبل أن تفقدوني ، فإنه لا يحدّثكم أحد بعدي بمثل حديثي » « 2 » . ولذلك : ( روى حديثه خلق لا يحصون ) « 3 » . وانتشر فقهه في الآفاق ، وإذا استعصى الحصر وصعب العدّ لتحديد كل من روى عنه عليه السّلام فإن الأربعة آلاف كانوا المتميزين ، وإلا فإن الصورة التي لا تقبل المماراة هي شيوع ذكره بين سائر الناس وعلوّ مكانته في نفوس المسلمين على مختلف أصنافهم وأجناسهم . وعلى ذلك فلا يستغرب أن يعجز الكثير عن إحصاء كل من نقل عنه أو روى حديثه عليه السّلام . ثم حلقات فقهه من أصحابه وتلامذته المقرّبين وعددهم أربعمائة ممن نبهوا في العلوم وعرفوا بالفقه ، وهم رجال مدرسته وهيئتها العلمية الذين اختصوا بفقه الإمام الصادق ، وكانوا من العدالة والثقة بمكان لا ترقى إليه سهام الحقد والحسد ، وقد ألّفوا في فقه الإمام جعفر الصادق والرواية عنه أربعمائة كتاب ، وهي الأصول الفقهية للمذهب الجعفري « 4 » . وقد تحرّى الإمام الصادق كفاءة الأصحاب وقدرات المتعلّقين به ، ووجّه كلا إلى حيث العمل الذي يتّفق ومواهبه وينسجم مع استعداده ، فكان البعض منهم مختصا بتنفيذ التعاليم التي تتعلق بواقع الأسر والأفراد ، أو تتصل بالظواهر الاجتماعية والعلاقات . وقد مرّ بنا طرف من هذه المهمات التي توكل إليهم في الفصل السابق والأجزاء السابقة من الكتاب . أما الناحية الفكرية - التي تمثل منهج مدرسته - فقد عيّن الإمام الصادق من بين
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 272
مساهمون: اسد حيدر
ص٢٧٢
هامش
( 1 ) الصواعق المحرقة لابن حجر ص 120 .
( 2 ) تذكرة الحفاظ للذهبي ج 1 ص 157 .
( 3 ) خلاصة تذهيب الكمال للخزرجي ص 54 .
( 4 ) انظر التراجم والبحوث الخاصة بهم في الجزء الثالث والرابع .