الجبت والطاغوت المنهي عنه ، وما حكم له به ، فإنما يأخذ سحتا وإن كان حقه ثابتا له ، لأنه أخذه بحكم الطاغوت ، ومن أمر اللّه عز وجل أن يكفر به ، قال اللّه عز وجل :
يُرِيدُون أَن يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوت وقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِه
» .
قلت : فكيف يصنعان وقد اختلفا ؟
قال عليه السّلام : « ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ، ونظر في حلالنا وحرامنا ، وعرف أحكامنا ، فليرضيا به حكما ، فإني قد جعلته عليكم حاكما ، فإذا حكم بحكم ولم يقبله منه ، فإنما بحكم اللّه استخف وعلينا ردّ . والرادّ علينا كافر ورادّ على اللّه ، وهو على حدّ من الشرك باللّه » .
والنوعية التي هدف الإمام إليها ، والتعبئة التي قام بها كانت تنزع عن السلطة قاعدتها ، وتضع الحواجز بينها وبين الناس ، وتكشف للمسلمين انغماس الحكّام في ملاذّهم ، ومدى ابتعادهم عن الإسلام واستعدادهم لإنزال الأذى بالمسلمين ، واستخدام قوتهم الغاشمة . فقرر الإمام أن يباشر دعوة الحق ، ويقوم بإعداد الأمة ، ويتبنى مهمة الإصلاح إلى حين استكمال عوامل الثورة - ولأنه لا يرى ما يراه الآخرون من ملائمة الظرف - أصرّ على هذا النهج حماية لأرواح المسلمين ، لأن إعلان الثورة كان يعني سفك الدماء على أيدي الحكام الذين يتمتعون بالقوة ويتصفون بالقسوة ولا يتورعون عن انتهاك المحارم وإزهاق الأرواح في سبيل الحفاظ على سلطانهم وصيانة ملكهم ، ثم إن النفوس امتلأت جراحا ، والأمر كما تبيّنه الأخبار وتعيّنه الآثار ، فالإمامة معقودة لرعاية الدين وحماية العقيدة ، والأحداث تجري على نماذج من التضحيات ، وأمثال من المواقف التي تشحذ الهمم وتؤجج المشاعر ، والخلافة العظمى بإمامتها الروحية تتبوأ المحل الذي وضعها اللّه فيه . ولكل فترة دور وحال .
وعلى ذلك يفسر الإمام الصادق قول اللّه تعالى :
ذلِك ومَن عاقَب بِمِثْل ما عُوقِب بِه ثُم بُغِيَ عَلَيْه لَيَنْصُرَنَّه اللَّه إِن اللَّه لَعَفُوٌّ غَفُورٌ
فيقول : « إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لما أخرجته قريش من مكة ، وهرب منهم إلى الغار ، وطلبوه ليقتلوه فعوقب ، ثم في بدر عاقب ، لأنه قتل عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وحنظلة بن أبي سفيان وأبو جهل وغيرهم ، فلما قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بغى عليه ابن هند بنت عتبة بن ربيعة بخروجه عن طاعة أمير المؤمنين عليه السّلام وبقتل ابنه يزيد الإمام الحسين عليه السّلام بغيا وعدوانا وقائلا شعرا :
ليت أشياخي ببدر شهدوا * ( جزع ) الخزرج من وقع الأسل