عن خالد بن نجيح قال : قال أبو عبد اللّه عليه السّلام : « أقرءوا من لقيتم من أصحابكم السّلام ، وقولوا لهم : إن فلان بن فلان يقرئكم السّلام . وقولوا لهم : عليكم بتقوى اللّه عز وجل ، وما ينال به ما عند اللّه ، إني واللّه ما آمركم إلا بما نأمر به أنفسنا ، فعليكم بالجد والاجتهاد ، وإذا صلّيتم الصبح وانصرفتم ، فبكّروا في طلب الرزق ، واطلبوا الحلال فإن اللّه عزّ وجل سيرزقكم ويعينكم عليه » .
كان في سيرته وسلوكه يمثل جوانب سامية من التواضع والبساطة مع عظمته وعلو شأنه ، وكان يعامل الناس بالعطف والتسامح . كل ذلك كان له تأثير في نفوس تلامذته ومريديه ، وقد وقف أمام التيارات السياسية يوم اجتاحت البلاد ثورة من جميع جوانبها ، وقد دعاه القادة - كما أسلفنا - إلى تولّي الأمر وإسناد الحكم إليه ، كما أن أبا مسلم الخراساني كتب له يدعوه بأن يدعو الناس إلى بيعته ، وينتزع الأمر من بني العباس . فأجابه بقوله : « ما أنت من رجالي ، ولا الزمان زماني » .
وقبل ذلك رجعت رسل أبي سلمة الخلّال بالخيبة عندما وجّههم بكتاب الدعوة إلى الإمام الصادق بأن يكون الأمر له دون بني العباس . فكان جوابه أن أحرق الكتاب أمام الرسل ، لأنه كان يقدّر أبعاد المعركة ، وينظر العواقب ، ويحاول أن يؤثر في انفعالات الناس ، ويقلل من اندفاعهم على طريق تؤدي نهايتها إلى تعريض المسلمين إلى الأخطار ودفع الأبرياء إلى الموت . وذلك لأن الظروف غير مواتية ، رغم ظاهر مناسبتها وملائمتها . وسنبحث موضوع موقفه من الثورة مفصلا في فصل لاحق .
والغرض ، فإن وجوده في منصب الإمامة وتبوءه موقع القيادة والإصلاح يجعله أقرب الأطراف إلى حدّ السيوف ، وأدناهم إلى شبا الرماح ، وهو من أهل البيت الذين ابتلوا بمصالح الرعية ، وجعل فيهم دوام الرسالة المحمدية . فمن خصوص أعمالهم مناهضة الظلم ، ومن صميم دعوتهم رعاية أمور المسلمين ، وهم مكلفون بما كتب عليهم وقدّر لهم من وجوه المسؤولية والأفعال .
فكان عليه السّلام يعمل بوحي ذلك ، فلا يرى في ضوء ما يحمله من الأخبار والعلم أن طريق الخلاص في التعرّض إلى السلطان ، بل في الابتعاد عن مواطن الأذى وموارد الهلكة ، والوقوف بوجه الظلم والجبارين بوسائل يضمن نفعها ، ويؤمن سلامة الناس فيها .
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 256
مساهمون: اسد حيدر
ص٢٥٦