وعن المعلى بن خنيس « 1 » قال : خرج أبو عبد اللّه عليه السّلام في ليلة قد رشت - أمطرت - وهو يريد ظلة بني ساعدة ، فاتبعته ، فإذا هو قد سقط منه شيء فقال : « بسم اللّه اللهم ردّه علينا » . قال : فأتيته فسلّمت عليه . قال : فقال : « معلى » : قلت : نعم جعلت فداك . فقال لي : « التمس بيدك فما وجدت من شيء فادفعه إلي » فإذا أنا بخبز منتشر كثير ، فجعلت أدفع إليه ما وجدت ، فإذا أنا بجراب أعجز عن حمله . فقلت : جعلت فداك ، أحمله على رأسي ؟ فقال : « لا ، أنا أولى به منك ، ولكن امض معي » قال : فأتينا ظلة بني ساعدة ، فإذا نحن بقوم نيام ، فجعل يدس الرغيف والرغيفين حتى أتى على آخرهم ، ثم انصرفنا . فقلت : جعلت فداك يعرف هؤلاء الحق ؟ فقال : « لو عرفوه لواسيناهم بالدقة - والدقة هي الملح - إن اللّه تبارك وتعالى لم يخلق شيئا إلا وله خازن يخزنه ، إلا الصدقة ، فإن الرب يليها بنفسه ، وكان أبي إذا تصدق بشيء وضعه في يد السائل ، ثم ارتدّه منه ، فقبّله وشمّه ثم ردّه في يد السائل » « 2 » . وإزاء ظاهرة ابتعاد كثيرين عن العمل ، وانزوائهم في بيوتهم منقطعين للعبادة مع تفاقم أزمة العيش ، كان عليه السّلام يفضّل العامل على ذلك الفرد المنزوي والمنقطع إلى العبادة . فعند ما قيل له : أن رجلا قال لأقعدن في بيتي ، ولأصلين ولأصومن ولأعبدن اللّه ، فأما رزقي فسيأتيني . فقال عليه السّلام : « هذا أحد الثلاثة الذين لا يستجيب اللّه دعاءهم » . فالإمام رغم معرفته بأهمية العبادة ، إلا أنها لا تجوز إلا في موقعها في حياة الفرد المؤمن ، بحيث تكون صلة المؤمن بربّه وهويته وسلوكه . وهوية المؤمن العزّة ، وسلوكه العطاء والعمل . يقول إسماعيل بن جابر « 3 » أتيت أبا عبد اللّه ، وإذا هو في حائط ( بستان ) له ، وبيده مسحاة ، وهو يفتح بها الماء .
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 253
مساهمون: اسد حيدر
ص٢٥٣
هامش
( 1 ) مولى الإمام الصادق قتله داود بن علي العباسي - والي المدينة - فغصب الإمام الصادق ، ودعا على الوالي ، فسمعت الصيحة في داره . انظر الجزء الثاني من الكتاب .
( 2 ) فروع الكافي ج 4 ص 8 و 9 .
( 3 ) ذكره الشيخ في الفهرست ، وقال : له كتاب ذكر سنده .